بأميريكا،
بأحدى المستشفيات الخاصة لجراحة القلب، والأوعية الدموية،
داخل غرفة العناية الفائقة،
هناك أم تدعى لابنها، وهى بين الوعى واللاوعى،
بل عذراً بين الحياة والموت،
كلما استردت وعيها قليلاً،
تردد أسم ابنها دون توقف،
بل تدعو له برجاء وتوسل من صميم قلبها،
ولما لا وهو ابنها البار بها،
ابنها التقي،قلبه النقي، الذى يستحوذ حبه على قلبها..،
وأخيراً، بدأت تستعيد وعيها رويداً رويداً، وببكاء همست زينب
“أيوب يا ضنايا..وحشتنى يا حبيبى..”
هبطت دموعها ببطء..
“تعالى يا ايوب انت فين يا قلب امك..”
بجوار فراشها، يقف ابنها أيمن وزوجته بثياب التعقيم الخاص بالعناية،
بدهشة نظرت له زوجته، وتحدثت ليان بتساؤل..
“مين ايوب يا ايمن اللى طنط بتنادى عليه على طول دا؟!”
ظهر التوتر، والقلق على وجه أيمن، استطاع إخفاء ارتباكه سريعاً، وبحزن مصطنع تحدث..
“ايوب دا يبقى أخويا..”
تفاجأت زوجته، ناظرة له بذهول قائلة
“أخوك؟!..”
تحولت نظرتها لأخرى غاضبة.
“هو انت عندك اخوات غير احمد وانا معرفش؟!..”
استمر أيمن فى تمثيله قائلاً بأسف “كان عندى..”
التمعت عيناه بدمع كاذب، واكمل بخداع..
“بس مات..”
أسفاً على رجل كاذب، ظن ان ليل كذبته سيدوم،
غافلاً عن أن شمس الحق حتماً ستظهر بعد المغيب،
شهقت ليان بقوة، وبدموع تحدثت..
“لا حول ولا قوه الا بالله..”
ربتت على كتفه بحنان..
“البقاء والدوام لله وحده يا حبيبى..”
نظرت له بعتاب..
“ليه مقولتليش قبل كده يا ايمن..”
تنهد أيمن بارتياح، فزوجته رغم صرامتها إلا أنها تمتلك قلباً رقيقاً للغايه،
نظر لها بملامح خادعة، متألمة، وتحدث بحزن كاذب..
“لان والدتى بتعتبره لسه عايش..مش مقتنعه انه مات ودايما تسال عنه وتستناه يجى زى ما انتى شايفه كده..”
أنهى جملته، ونظر تجاه والدته، لتتسع عيناه بصدمه حينما وجدها، تنظر له بعتاب، وعيون تغرقها الدموع،
أسرع هو، واقترب منها، ومال على جبهتها، وهم بتقبيلها، لتبعد زينب وجهها عنه بضعف،
ابتلع أيمن لعابه بصعوبة، وبرجاء وتوسل شديد همس بأذنها..
“علشان خاطر أيوب عندك أوعى تخربى بيتى وتكدبينى قدام مراتى يا امه..”
اقتربت منها ليان وربتت على كف يدها برفق وبابتسامة حانية تحدثت..
“الف حمد لله على سلامتك يا طنط..”
ردت زينب بوهن
“تسلمى يا بنتى..”
نظرت لأيمن من جديد
“عايزه ايوب يا ايمن..”
بكت بنحيب..
“ودينى لأخوك..”
بتأثر، بكت ليان لبكائها، وأسرعت بالخروج من الغرفة تاركة لهما بعض الخصوصية،
ليلتقط أيمن أنفاسه المسلوبة من شدة خوفه بعد خروج زوجته، وبتنهيده تحدث..
“حاضر يا ام ايوب..هتصلك بيه..”
دارت زينب بعينيها بأنحاء الغرفة، وهمست بتساؤل..
“واحمد اخوك فين؟!.. عايزه اشوفه هو كمان..”
ببرود رد أيمن على والدته..
“أحمد فى مشوار شغل و هيجى كمان ساعه..”
أنهى جملته، وأخرج هاتفه، وطلب رقم أيوب، ووضع الهاتف على أذنه ينتظر الرد..
“””””””””””””
انتهى أيوب من الاتفاق وأخذ عربون على عمله الجديد، الذى هو عبارة عن منزل حديث البناء، سيقوم هو ببناء الأسقف الخاصة به.
بخطى شبه راكضة، يسير نحو منزله،
حاملاً بيده إحدى الوجبات الجاهزة، ووردة حمراء ابتاعها لزوجته خصيصاً،
بقلب يحترق شوقاً، واشتياقا لها يمسد على خاتم زواجهما بأصبعه بين حين وأخر،
ولكنه توقف فجأة على جانب الطريق حينما شعر بحنين، واشتياق اكبر لوالدته الحبيبة،
أغمض عينيه محاولاً منع دموعه، التى تجمعت بعينيه، وبرجاء همس لنفسه
“ياارب اشفى امى ورجعهالى بالف سلامه..”
رفع عينيه للسماء متضرعاً
“يارب بسألك بأسمك الاعظم تجمعنى بأمى على خير فى اقرب وقت..”
تنهد بألم..
“الدنيا متسواش حاجه من غيرك يا ام أيوب..”
أكمل طريقه مرة أخرى، وقلبه يردد الدعاء لوالدته دون توقف،
لينتبه لرنين هاتفه،
بلهفة أمسكه، وضغط زر الفتح سريعاً، حينما رأى رقم شقيقه؛
ليأتيه صوت والدته، الذى يفتقده منذ أكثر من أسبوع ضعيف وباكى..
“أيوب..يا نن عين أمك..”
تقطعت أنفاسه،
بل كاد أن يتوقف نبض قلبه من شدة فرحته..
بغزارة، هبطت دموعه على وجنتيه، مسح على وجهه وشعره،
وبصعوبة همس، بصوت حاول إخراجه طبيعياً من بين شهقاته
“امه..”
زدات حدة بكاء زينب، وبلهفة تحدثت..
“يا حبيب امك..طمنى عليك يا ضنايا..”
يبكى بفرحة لسماع صوتها، لا يبالى بنظرات الناس من حوله،
وبحب شديد تحدث..
“طمينى انتى عليكى يا حبيبتى..عامله ايه يا ام ايوب..”
“الحمد لله يا حبيبى..”
صمتت لوهلة وأكملت بثقة..
“انا بأذن الله هخف وابقى كويسه علشانك يا قلب امك…وهجيلك يا ايوب..هرجعلك يا ابنى..”
رد أيوب بيقين..
“بأمر الله هترجعلنا يا امه..”
قالت بسعادة
“ارجعلكم..”
ضحكت وبكت بآن واحد، وأكملت بتمنى..
“قولى ان حبيبه معاك ومش سيباك لوحدك..”
فرحته كانت تترنم بنبره صوتها..
“ايوه يا أمه حبيبه عم محمد جبهالى بنفسه كمان ببركه دعاكى ليا يا ام ايوب..”
تهللت أسارير زينب قائلة..
“يا حبيبى يا ابنى..الحمد لله انك مش لوحدك يا ضنايا..”
همس أيوب برجاء “كفايه كلام عليكى كده يا امه..ارتاحى يا حبيبتى وشويه كده وهكلمك تانى اكون روحت علشان حبيبه تكلمك..”
“حاضر يا حبيبى..”
التقطت أنفاسها الضعيفة، وأكملت بتعب..
“ايوب انا دعيالك وقلبى راضى عنك يا ضنايا..”
رد بصوته الباكى، ظناً منه أنه نجح فى اخفائه عن والدته، التى تستمع له بقلبها..
“ربنا يباركلى فى عمرك وتقومى بألف سلامه ومتحرمش منك ابدا يا امه..”
سحب أيمن الهاتف، واغلقه بوجه أيوب سريعاً، حينما انتبه لصوت زوجته،
ابتسم أيوب بسعادة وفرحة شديدة، وبسرعة البرق ركض نحو منزله، حتى وصل إليه أخيراً،
خطا لداخل المنزل، وصعد الدرج كل درجتين معاً،
حتى توقف امام باب الشقه بأنفاس لاهثة،
اخذ نفساً عميقاً، وأخرج مفتاحه، وفتح الباب، ودلف للداخل، واضعاً الطعام من يده على اقرب مقعد، وبلهفة نادى بحب..
“حبيبه..انتى فين.”.
خرجت حبيبة من المطبخ تركض نحوه بكل سرعتها،
فتح هو ذراعيه لها واستقبلها داخل حضنه، يضمها بكل قوته، وببكاء تحدث..
“امى كلمتنى..”
زاد من ضمها..
“امى كلمتنى يا حبيبه..”
ببكاء لبكائه وفرحة قالت حبيبة
“الحمد لله يا حبيبى..”
ابتعدت عنه وأمسكت وجهه بين يديها، وبيقين بالله تحدثت..
“وان شاء الله هترجعلنا قريب يا ايوب..”
ينظر هو لها بعينيه التى تفيض عشقاً،
ببطء رفع يده، وأبعد شعرها عن عينيها، ووضع الوردة بجانب أذنها، فزادت الوردة جمال من جمالها،
فشهقت حبيبة بانبهار، وتحدثت بفرحة طفولية..
“ورده..”
تحسستها بحذر..”
الله يا ايوب..”
أمسكتها واستنشقت عطرها باستمتاع
“تجنن يا ايوب..”
نظرت لعينيه..
“انت تجنن يا حبيبى..”
اقترب ايوب بوجهه منها، وقبل جبهتها بحب، وبهيام تحدث..
“انتى اللى تسحرى يا احلى وارق حبيبه..”
غمز لها بشقاوة، وتوجه بنظره للطعام، وأكمل برجاء مصطنع..
“ممكن تقبلى عزومتى على الغدا انهارده..”
نظرت حبيبة تجاه ما ينظر له، لتشهق مره أخرى، وتقفز بفرحة، وبصراخ تحدثت..
“بيتزااااااااااا..”
ارتمت داخل حضنه، وقبلت موضع قلبه بعمق، وبعشق همست..
“بحبك..”
نظرت لعينيه
“بحبك اوى يا أيوب..”
أمسك هو وجهها بين يديه، يتحسس نعومة وجنتيها بعشق هامساً..
“وانا بعشقك يا حبيبه أيوب..”
أترك تعليق