جوازة أبريل بقلم نورهان محسن

فى نفس ساحة الرقص

كانت إبريل ترقص برشاقة تنبض بالحياة ، فرحة رغم محاولاتها لكبت مشاعرها ، كل حركة تنم عن تناغم شغوف مع باسم ، وكأنهما يعزفان لحنًا خفيًا في ساحة الرقص ، مما جعل أنفاسهما ونبضات قلوبهما تتسابق في رقصة مفعمة بالمشاعر العميقة.

_مش كفاية بقا .. خلينا نقعد و ترتاحي شوية يا إبريل

همس باسم إليها بتحذير ، وهو يراقب أنفاسها المتقطعة من فرط الحركة ، حيث لا تزال آثار اجهادها واضحة بعد رقصها مع صديقاتها على أنغام الموسيقى الشعبية ، لترفع حاجبيها بإنزعاج طفولى وبنبرة معترضة ردت : بس أنا لسه ما تعبتش .. وعاوزة أرقص شوية

نظر باسم إليها بمزيج من الدهشة والإعجاب ، وكأنه يحاول فهم لغزها المستمر ، ليقول بتهكم خبيث : لدرجة دي فرحانة؟

إلتفت ابريل حول نفسها بخفة ، لتنظر إليه وتقول بصوت يفيض بالأنوثة والعناد : الرقص مالوش أي علاقة بالفرحة .. أنا برقص وأنا زعلانة عادي

ضيق باسم عينيه بغيظ ، ليقربها منه أكثر ، وبنبرة تمزج بين المزاح والمكر أخبرها : علي كدا هزعلك كتير عشان تبقي ترقصيلي لوحدي

توردت وجنتيها بخجل أخفته خلف إبتسامة ساخرة ، لتجيبه بعنادها المتأصل : أوعدك اليوم اللي هتمو,ت فيه وتقوم فيه جنازتك هرقصلك للصبح

انطلقت ضحكته القوية ، تنبض بعشقٍ عميق ممزوج بالإستفزاز : قد كدا بتحبيني وعايزة تبسطيني يا قلبي..

ردت ابريل بإنزعاج : بطل طريقتك دي بقا!!

مال باسم نحوها ، عاقداً ذراعيه أكثر حول خصرها بتحدٍ تجلى في قوله : وهو أنا قولت إيه غلط؟ راجل عاوز مراته ترقصله .. إيه العيب في كدا؟

تجمدت ابريل في مكانها ، ملامحها تتخذ طابعًا جديًا لا يقبل النقاش ، تقطع نظراتهما ببرود محفوف بالخجل : مش عيب .. بس دا لما يكون جوازهم طبيعي .. ومن دلوقتي بحذرك .. ممنوع أي تصرفات جريئة يا باسم ، ممنوع تقرب مني إلا إذا سمحتلك .. وأنا مش هسمحلك .. ممنوع تديني أوامر .. مم…

كلماتها انقطعت فجأة ، حينما أطبق شفتيه على خاصتها بقبلة خاطفة ورقيقة ، ارتفعت يده بحذر لتستقر خلف عنقها ، يجذب وجهها إليه بعشق لا يُقاوَم ، لم تتجاوز تلك القبلة خمس ثوانٍ ، لكنها كانت كافية لإحداث زلزال في كيانها.

ابتعد عنها محدقاً بملامحها المكتسية بحمرة الخجل الممزوجة بالضعف ، شعرت كأن تيارًا دافئًا قد اجتاح قلبها ، وخلّف وراءه ارتباكًا لذيذ عجزت عن تفسيره أو وصفه.

ربت باسم على وجنتها بنعومة ، قائلاً بابتسامة ماكرة و صوته ينضح بالتحدي : الممنوع مرغوب .. القاعدة دي امشي بيها معايا هتتعبي ..كل ما قفلتي قدامي باب هعافر بكل قوتي عشان افتحه

ردت عليه بنظرة صارمة من عينيها ، لكن الحروف كانت عاجزة عن الإنطلاق عبر شفتيها ، ليواصل الحديث بتلك النبرة الآسرة : لو همنع نفسي عن حاجة .. دا هيكون بخاطري أنا .. اتأكدتي دلوقتي إن كلمة ممنوع دي بتضر أكتر ما بتنفع يا روحي؟

صمتها كان ردًا كافيًا ، لكنه لم يترك لها مجالًا للهرب ، يقترب منها قائلاً بصوت متهكم لعوب : ساكتة ليه يا بندقة؟ أنا مش فاكر إني كلت لسانك مع شفايفك!

تجيبه بغيظ واضح : إنت مش هتبطل قلة الأدب دي

رد باسم ، مائلًا نحوها ببراءة ذئب عاشق : وانا ذنبي إيه يا روحي؟ كلمة ممنوع دي عندي حساسية فظيعة منها .. أول ما بسمعها بحس جسمي بياكل فيا وبفقد السيطرة على نفسي .. دا اللي حصل لما شوفت شفايفك بتنطقها بالطريقة الحلوة أوي دي .. ماعرفتش أقاومها غ.صب عني سامحيني

لمس شفتيها بشغف حارق ، بينما نبرته تتأرجح بين السحر والجاذبية ، لكن ابتسامته الخبيثة كانت تكشف عن تعمده لإثارة غضبها وإستفزازها بمهارة ، أضاف متصنعاً الجدية : بس خلاص .. أنا هنفذ كل كلامك من دلوقتي .. بس ماتنطقيهاش تاني ..اكتبي كل حاجة في ورقة بيضا بقلم أحمر .. وأنا هعلقها على التلاجة .. لما أجي أشرب هشوفها وأفتكر على طول

أخذت إبريل نفسًا عميقًا ، وملامحها تظهر مزيجًا من الغضب والإستياء الفاتن : انت مستفز ..خلاص! مش عاوزة أرقص، حرقت دمي!

أنهت كلماتها بغيظٍ ظاهر ، وتوجهت نحو الكوشة ، محاولةً الهروب بخجل من جراءته المتزايدة ، بينما انفجرت ضحكته بخبث ، تتدفق منه مشاعر الانتصار لأنه نجح في جعلها تأخذ استراحة من صخب العرس وضوضائه ، وكأنما استسلمت في النهاية للعبة مشاعره الماكرة.

☼بـ-ـقـ-❥ـلـ-ـم نـ-❥-ـورهـ-❥ـان مـ-ـحـ-❥-ـسـ-ـن☼

في إحدى الطاولات القريبة

ريهام تجلس بجوار والدتها ، لكن ملامح وجهها لم تكن تعكس أجواء الاحتفال من حولها ، بل كانت تعبر عن صدمة عميقة وخلط عواطف غ.اضبة ، عينيها تتأججان بالتساؤلات والقلق ، وتجولان في المكان ، تبحثان عن تفسير لما يحدث.

انفجرت ريهام بصوت متساءل بثوران عنيف : إزاي دا يحصل وماتقوليليش يا ماما!؟

_امسكي أعصابك يا ريهام .. ولا عاوزة تفرجي علينا الناس!

جاء رد سلمى كصدى هادئ في زحمة الصوت ، محاولةً كبح جماح انفعالات ابنتها ، فردت ريهام بصوت خفيض ، وأفكارها تتداخل في زوبعة من الحيرة : ماهو اللي بتقوليه دا يطير العقل .. يعني إيه الفيلا دي بقت بتاعت إبريل؟

_يوووه … هعيد تاني من الأول يعني ما أنا لسه قايلالك يا ريهام!

تأففت سلمى بضجر وإضطراب من رد فعل ابنتها الذي يلوح في الأفق كمفرقعات نارية ، لتردد ريهام بنبرة شبه هادئة حديث والدتها منذ قليل : قولتي الشريك الجديد للي جه في الأوتيل سدد القروض للبنك والأوتيل مش هيتحجز عليه .. وكمان سدد لينا الشيكات لمصطفى .. إيه علاقة دا كله بإبريل؟

_وانتي نسيتي إن الفيلا إحنا دافعين مقدمتها بس .. وماسدّناش إلا قسطين من تمنها .. باسم رجعلنا المقدمة والقسطين وكتب الفيلا باسمها مهر ليها!!

كانت كل كلمة تخرج من فم سلمى كالسهم ، ينغرس في قلب ريهام بعمق ، معلنةً لها عن نكسة مروعة تُشعل في نفسها نيران الحسد والضغينة ، قبل أن تتمتم بصعوبة : يعني إحنا بقينا قاعدين ضيوف في بيت إبريل؟

سلمى مؤكدة بإقتضاب : بالظبط كدا

تساءلت ريهام بنبرة منزعجة ، وكأنها تريد أن تلقى كل اللوم على والدتها : إزاي ماتقوليليش حاجة زي دي من بدري يا ماما؟

_مش علي مزاجك يا مني .. دلوقتي حالا عايز رد علي سؤالي

صوته الذى احتوى على نبرة الغض..ب ، كان كالرعد الذي يتبع البرق ، مستفزًا شعورًا متأججًا داخلها ، لترد بنبرة متهالكة لكن في أعماقها كانت تعي أن تلك الكلمات تعكس صراعًا بين رغبتها في الاستقلال وعاطفتها الجياشة تجاهه : مايخصكش ومش هقولك

_دا انتي اتهبلتي بقا .. انتي لسه علي ذمتي يا هانم اي حاجة تخصك تخصني .. فوقي مش معني اني سيبتك شهرين تهدي فيهم وجيت علي نفسي واستحمت بعدك عني بطلوع الروح .. يبقي خلاص تفتكريني هسمحلك تطلعيني من حياتك او تعيشي علي كيفك

أخبرها عز بصوتٍ عاتٍ كالأمواج الثائرة ، تتسلل إلى أعماقها وتشعل نيران غضبٍ دفين ، لتنساب نبرتها كهمسٍ حزين ، يشبه أنينًا خافتًا ، يكشف الألم دون أن يظهر انكسارها : ماتغيرتش يا عز .. ومفيش حاجة في الدنيا ممكن تخليك تبطل اسلوبك الهمجي دا .. بس انا خلاص صبري عليك خلص ومش هصبر تاني .. من بكرا هروح للمحامي و هطلق منك .. طالما مش عاوز تطلقني بالتراضي

شعر عز بجمرات الغضب تشتعل في عروقه كاللهيب، تحرقه بفكرة الانفصال عنها تمامًا ، ليجذبها إليه حتى تلاشت المسافات وأنفاسه تداخلت مع أنفاسها ، وهمس بنبرةٍ مختنقة بعشقٍ موجوع وغيرةٍ لا تهدأ : افهمي بقي .. انا بمو,ت فيكي .. وانتي عارفة كدا بطلي تستفزيني بكلامك الغبي دا .. انا مولع قدامك من غيرتي عليكي

أشاحت مني برأسها عنه ببطء ، تكابد بشقّ الأنفس تجاهل دفء قربه الذى يزيد من دقات قلبها ، لكن ما بينها وبينه هو حبل مشدود بين الخ..وف من الافتتان والرغبة في الانغماس في بحر مشاعر لا تنتهي ، وهمست بنبرة رقيقة مرتعشة ، تخفي بين طياتها حنينًا عميقًا : حتي لو بتغير عليا .. كل مرة نت..خانق فيها كنت تجرحني بكلامك وبعدها تقولي انا كنت متع..صب وغيران..

أضافت مني بقو.ة غريبة ، وهي تعاود النظر إلى عينيه ، اللتين تلمعان وسط عواصف المشاعر كنجمتين ساطعتين في سماء حالكة : بس انا مش هسمحلك تاني تهيني وتجرحني .. وفي الاخر تعلق دا كله علي شماعة انا بحبك وبغير عليكي .. لو بتحبني كنت تحترمني وتقدر مشاعري مش تجرح وتبهدل فيا

_ماهو انتي مش هتحسي بحالي مهما وصفتلك قد ايه بحبك؟ قد ايه بتوحشيني!! قد ايه مجنون بيكي؟ انا روحي فيكي .. بغير عليكي حتي من الهدوم اللي ضماكي وانا مش قادر اخدك في حض.ني .. مابتحسيش ليه بالنار اللي بتحرقني .. انا مولع من غيرتي عليكي من لحظة ما شوفتك داخلة القاعة مع ابن ال*** دا..

أنهى عز جملته بانفعالٍ عاصف ، وانقضّ عليها كالموج العاتي ، يغمر شفتيها بقبلةٍ ملت..هبة بالشوق والحنين.

حاولت منى التراجع ، تقاومه بروحٍ تفيض رفضاً واحتجاجاً ، لكن ذراعيه أحاطتا بها بإصرار كقيدٍ أبدي يشبه خشية الغريق من فقدان طوق النجاة ، كأنه يخشى أن تتلاشى بين ذراعيه.

في تلك اللحظة، كان يتشبث بها كأنها الحياة ذاتها في أحلك لحظاته ، يمتص من رحيقها بلهفة من يبحث عن خلاصٍ في أعماق بحرٍ هائج من الألم.

انت في الصفحة 2 من 5 صفحات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
30