انسحبت الدماء من أوردته، ثلج جسده وتخشبت مفاصله، جف حلقه تماماً وبات كالعلقم، حياته تنهار أمام عيناه، تحرك ببطئ وتقدم من حياته يحاول التحدث مردداً:
-ان..أنتي بتقولي ايه؟
هدرت بع,,نف شديد تصرخ:
-مش عارف بقول ايه يا روح امك؟ ايه اتطرشت؟!
حاول سحب أنفاسه وهو يسبل جفناه يتغاضى عن سبها له لا يعلم أن سبها كان إختبار، لو كان بريء مظلوم فلن يتحمل الإهانه، وبتفاديها علمت لونه فطنته ان سبتها لا تضاهي فعلته المنكرة التي فعلها، هي تعلم ماهر جداً؛كبره عالي وأنفه في السماء يتنفس نرجسية وغرور، ما كان ليسمح لها لولا علمه بأن فعلته شنعاء لا تغتفر ولا يضاهيها اي سب أو قذف، وهمس برجاء:
-أهدي يا حبيبي و…
أخرصته تصرخ:
-ماتقوليش حبيبي دي تاني، ماتقوليش كده تاااني..انت مش هتضحك عليا تاني.
رفع كفيه علامة الأستسلام وهو يلوح لها بيده ان تهدأ وردد:
-حاضر حاضر مش هقولك كده بس ممكن تهدي وتسمعيني، قوليلي ايه الي بتقوليه ده؟! جبتي الكلام ده منين؟
-منين؟! هههه، صح هجيبه منين!! ما الي عمل كده لفقت له قضيه وحبسته لما لاقيته كل شويه بييجي يطلب فلوس روحت ملفق له قضية محترمة وخلصت منه.
ثواني وربطت الأحداث ببعض واستطردت مهمه:
-ااااااه عشان كده؛ عشان كده وافقت اني أسافر لحد ما تعرف هتتصرف معاه ازاي ولما عرفت جيت بقا تاخدني مش كددده؟
تخبطت معدته من الخوف، بلل شفتيه، متوتر وقال:
-لونا حبيبيتي، أسمعيني بس أنا…
قاطعته تردد:
-أنت هتطلقني حالاً سامع ولا لأ.
سقطت كلمة الطلاق عليها كالنيزك وهشمته لأشلاء ممزقة تنزف، بسيرتها فقط فقد روحه وكيانه وهبط ضغط دمه وانخفض معدل ضربات قلبه، هو غير قادر على سماع طرح الفكرة من أساسه.
اندفع يقترب منها بلهفه، وتحول لمتوسل يصعُب على الكافر:
-لا…لا يا لونا لا…لأ عشان خاطري لأ، أي حاجة غير الطلاق لا…ماتبعديش عني يالونا انا ماقدرش أعيش من غيرك، ده انا ماصدقت بدأتي تتقبلي حبي وتتقبلي جوازنا…عشان خاطري لااا .
دفشته في صدره بقسوة تردد بغلظة:
-مالكش خاطر عندي، وهتطلقني يعني هتطلقني، انت سامع.
تحركت تغادر وتترك له المكتب والشركة، حركة خبيثه، تكتيكية مدروسة؛ فهي غادرت وهي تعلم انه سيطير خلفها، كانت تسحبه لحيث تريد العراك، لبيت الوراقيين حيث تشاجر معها مسبقاً و نعتها بأقذر الكلمات، رد حقّ وإنتصار.
بالفعل ترك كل ما بيده وخطف جاكيت بذلته وطار خلفها يقود سيارته متتبع سيارة الأجرة التي ركبتها، تجمد بخوف وهو يراها متجهه للبيت، متأكد انها ذاهبه لتجميع أغراضها لتهجره، وهذا ما لن يسمح به، الأمر أشبه بسحب الروح ساعة الموت، إحساسه ومراودة خياله بفكرة إحتمالية إبتعاد لونا عنه تزهق روحه فعلياً وليس مجازاً.
نجحت في سحبه لحيث تريد الصراخ، ترجلت من سيارة التاكسي تتقدم بغضب للداخل، متأكده بأنه يتبعها، نواياها كانت مزدوجة وذهنها حاضر رغم خيبة الأمل التي تشعر بها، لكنها لن تمرر الأمر، لديها ثأر أولي لم تكن تعتقد انها متذكرته.
لكن على مايبدو ان العقل قد يُخدر بعض الذكريات والأفكار ليعود ويخرجها في الوقت المناسب وهي لم تنس ذلك اليوم حين نعتها ب”الوسخه” وما شابهها من كلمات يوم راسلها “طارق أبو العينين”، واليوم جاء دورها بما كسبت يداه، هي لم تخطط، بل من أفعاله.
كان يهرول خلفها يركض خلف روحه وحياته، دلفت للبيت بخطى واسعه غير مستجيبه لنداءاته المتوسلة، ولجت لغرفته وعلى الفور تجمع أغراضها بهيستيريه ممتزجه مع الغضب.
صوت نداءاته صمت أذان الجميع فخرجوا من غرفهم مستغربين حتى أن الصوت وصل لوالدته طريحة الفراش ونادت ممرضتها ونادتها تسأل ماذا يحدث.
الكل اجتمع ووقف يشاهد مزهولاً ما يجري، ماهر الماهر يهرول مرتعب خلف لونا يتوسلها بملامح منكسرة لأول مرة، وكم انخلع قلبه من مكانه وهو يراها بالفعل تجمع أغراضها من غرفته بلا هوادة كأنها لا ترى أمامها.
أسرع ناحيتها يعيد إخراج متعلقاتها من الحقيبة وهو يردد:
-لا يا لونا…مش هتسيبيني لأ، أنا مش هستحمل تسبيني، اذيني فرصه أشرحلك يا حبيبيتي.
أكملت ما كانت تعمله وهي تحبط محاولاته وترد عليه بغضب وصوت عالي كي يصل للجميع:
-تشرحلي؟! تشرحلي ايه؟! تشرحلي اد ايه أذيتني! أد ايه لعبت بيا! أد ايه كنت مش راجل!
هز رأسه منهزم وحاول الكلام:
-اسمعيني وحاولي تفهمي شوفي ده حصل ازاي وليه.
اقتربت منه تردد بتقزز:
-عملت كده عشان ديوث وقذر و وسخ، انت ازاي بتقدر تقف وتبص على نفسك في المراية، ازاي شايف نفسك راجل يالااا.
-اخرصي بقاااا.
اتسعت عيناها من وقاحته وردت:
-انت اييه، معمول من ايه؟ لسه ليك عين ترد، انا ماشوفتش اقذر وابجح منك في حياتي.
-اهدي بقا واسمعيني، انتي فاهمه غلط انا…
قاطعته تصرخ :
-انت؟! انت أكتر إنسان أذاني ودمرني من اول الجواز اللي بالغصب والمهر المتجمد تحت صرفتك وفلوسي بتاعتي من أبويا اللي ماعرفش حتى هي فين وبيتي الي انت سايب عمي حاطت ايده عليه رغم انك تقدر تتصرف معاه، لحد ما اخدتني الشركه وامرتهم اشتغل في البوفيه، أخدم على الموظفين بتوعك.
وقف مبهوت من كم القهر في حديثها، مراجعه أفعاله دفعه واحده أظهرت كم كان فظ غليظ معها، يسمعها وهي تكمل بحسره و وجع:
-يا مؤمن ده انت رضيت لي أني اروح أشتغل عاملة نظافة في محل ولا انك تمسكني فلوس او تجيب لي شغله كويسه.
تقدم منها بندم و هزيمه تحت أنظار الجميع المصدومين من حالته يرونه ويسمعونه وهو يصرح نادماً:
-خوفت، خوفت تقدري تستغني عني فتسيبيني .
خطفت حقيبتها تنوي التحرك وهي تقول:
-مانت عملت كل ده وهسيبك بردو.
قبض على يدها يوقفها ويمنعها من التحرك:
-مش هتسبيني، مش بمزاجك.
نفضت يده بقوه:
-لأ بمزاجي، هسيبك وهتطلقني، انت سامع.
صرخ بصوت هز جدران البيت والحضور يظهر كم حبه وجنونه بها:
-مش هطلقك، مش هطلقك يا لونا.
-هتطلقني مش هقعد على ذمتك يوم واحد انت سامع.
زاد جنونها وهي تتذكر:
-أنا أصلا عيله هفأ ومغفلة وماعنديش مخ، انا كنت فين ولا كانت دماغي فين؟! كنت متوقعة ايه من واحد عمل فيا كل ده؟! وكل ما اهرب منك تجيبني، أتوقع ايه من رااااجل وقف سمع راجل تاني جاي يطلب أيد مراته منه وسابه عادي.
حمى الدم بعروقه ما أن ذكرته بذلك اليوم وزادت وهي تكمل عليه:
-راجل تاني كان قسمه نصين، ماكنش سابه يطلع على رجليه أصلا لكن انت ماتقدرش تعمل لطارق أبو العينين حاجة، وقفت عاجز قدامه، ماتقدرش تعمل لجميلة ابو العينين حاجة عشان انت مش….
شهقة عاليه صدرت عنها قطعت الحديث وصراخ جنا وهم يسمعون صوت الكف الذي هوى من كفه على خدها.
كان نفسه عالي، ينهج وعروقه حمراء، بدى وجهه مقزوم محتقن بالدماء وتعالت الضربات بدماغه، على ما يبدو أن ضغط دمه قد أرتفع بصورة جنونية.
وهي صرخت فيه وبدأت تفقد عقلها، أخذت تضربه في صدره هي تصرخ فيه تسبه وتتوعده أن تتركه.
حررت كل شياطينه وخرج عن طور الوعي وهو يراها تندفع لتخرج من غرفتهما وسط كل الموجودين من عزام وفاخر وجنا وكمال، جنون الموقف وشدته جمد عقولهم ولم يتدخل أحد خصوصاً وان حالة أي منهما لا تسمح بالتدخل مطلقاً.
تحرك خلفها بجنون يلاحقها ومنعها من التحرك كانت ستهبط الدرج بأغراض قليلة، قبض على معصمها بقسوه يسحبها لعنده:
-تعالي هنااا انتي رايحه فين.
-سيبني.. سيبني بقولك.
نجح في أخذها لعنده وبدأ يجرها ناحية ممر الغرف من جديد مردداً:
-مش هسيبك، انتي مراتي وهتفضلي جنبي منين ما اكون بمزاجك او حتى غصب عنك.
كانت تحاول الفكاك منه بقوة تعادله حتى انها كادت تنجح وهي تردد بغل وتوعد:
-هتسيبني، الله في سماه ما هفضل على ذمة وسخ زيك يوم كمان
-اخرسي.
صرخ فيها لم يتحمل سبتها وهي ترد عليه بغل وقد بدأت تركله بقدمها أحياناً وتضربه بيدها مرات أخرى وهو يحاول التماسك:
-مش هخرس انت وسخ وقذر وديوث.
-أخرسي وامشي معايا.
همست جنا لهم:
-ما تتصرفوا وحد يتدخل بينهم يا جماعه بدل ما هما هيقطعوا في بعض كده.
لم يحرك اي من عزام أو فاخر ساكناً، بقيا يشاهدان بإستمتاع بينما كمال حاول التحرك للتدخل ومعه جنا فقال كمال:
-سيبها يا ماهر، سيبها تهدى
صرخ فيه:
-ماحدش يتدخل
فقالت جنا:
-طب سيبها معايا يا ماهر دلوقتي، عشان خاطري، كل كلمة بتتقال بتخسركم بعض.
-قولت ماحدش يتدخل.
نجحت لونا في ضربه ولكمه ثم الفكاك منه، تحررت تحاول الهروله ناحية الدرج، مد يده بعنف وغضب جلبها ثانيه لعنده وهي تصرخ فيه تركله بقدمها من جديد ومن جديد تنعته بنفس الكلمات القذرة.
احتدم النقاش ومعه يرتفع ضغط دمه، تتعالى الضربات برأسه كالشواكيش وهو يحاول التحمل، صراخه بأغلظ اليمين أنها ستتطلق منه واليوم ليس غداً كان يزيد من إرتفاع ضغط دمه.
فجأة بدأ يتقيأ كل ما بمعدته، لم ياحق الذهاب للمرحاض وتقيأ في الممر، إختل توازنه وبقت قدميه غير قادرة على حمله وصرخت جنا ملتاعة بأسمه وكذلك والده وكمال فيما بهتت ملامح لوناً وتخشبت وتوقفت عن الصراخ، مشدوهة من ما يحدث.
لم يستطع كمال الانتظار وحاول تحريك جسده الضخم معه بصعوبه يذهب لسيارته ويأخذه لاقرب مستشفى.
__________سوما العربي__________
جلس رشيد يعود بظهره للخلف وتفكيره منشغل بها، هي ومن غيرها.
انتبه على صوت طفله يصرخ في أحد الأركان حيث كان يجلس وسط ألعابه يلعب.
تقدمت علياء بغضب تردد:
-هو انت يعني مش سامعه وهو بيصرخ تقوم تروح تشوف ماله ولا لازم انا اخرج من نص الدش جري، مش معقول كده.
نهض من مكانه يردد:
-هو لسه معيط، كنت هقوم له انتي الي مش بتتحملي عليه الهوى.
-مم يمكن عشان ابني وعشان هو لسه عيل صغير محتاج مراعية.
تقدم منها يجلس لجوارها يلاحظ إمتعاض ملامحها وهي تحتضن الولد تهدهده فسأل مستغرباً:
-مالك بس يا حبيبتي؟