في أوضة استراحة الممرضين… الدور ال تحت
وبدون كلمة زيادة اندفع كاسر نحو السلم ونزل الدرجات اثنتين اثنتين حتى وصل إلى باب الاستراحة وفتح الباب فجأة دون أن يطرق وفجاه ظهرت روح وهي ترتدي جاكيتها وتستعد للمغادرة و التفتت بسرعة وما إن رأت وجهه حتى تجمدت لحظة ثم ارتفع حاجباها بغضب وهتفت:
انت ازاي تدخل اكده من غير استئذان.. فاكر نفسك مين عاد علشان تتجرأ وتدخل بالطريجه دي
اقترب منها كاسر بسرعة و قبض على ذراعها وصوته مليء بالاتهام:
انتي أكيد كنتي جاصدة تجتلي أختي صوح…. إي إل عملتيه دا هااا.. اي حكايتك بجا.. جوليلي مين دافعلك علشان تجتلي اختي
نفضت روح يدها بعنف من قبضته ثم رفعت كفها وضربته على وجهه بقوة جعلت الصمت يسود المكان لثواني ورددت:
إنت اتجننت…. أنا معملتش حاجه.. ولا لمستها انت عايز مني اي عاد.. فاكر نفسك مين وازاي تكلمني بالطريجه دي وتلمسني اكظه… امشي.. اطلع بره يلا
ضاق صدر كاسر أكثر و اقترب منها بغضب وكأنه سيلتهمها لكن قبل أن يلم.سها اندفع الطبيب إلى الداخل و صوته يحمل توترا واضحا:
كفاية….. كفاية بجا يا كاسر بيه روح هي السبب إن أختك لسه عايشة… الممرضة التانية ال اتسببت في المشكلة اتحولت للتحقيق وروح هي ال لحقت الموضوع وأنقذت حياتها المفروض تشكرها
توقف كاسر والتفت ببطء إلى روح وعيناه تحدقان فيها بشراسة حتي اقترب منها خطوة أخرى وهمس بجانب أذنها:
الجلم ال ضربتيهولي … هيرجعلك بس بطريجتي أنا
ثم التفت وخرج من الغرفة يتبعه الطبيب بصمت مشحون وظلت روح تقف مكانها ونفاسها متسارعة تحاول أن تهدئ نبض قلبها حتى دخل أدهم زوج رحمة واقترب منها بتردد:
أنا آسف… معلش متزعليش من كاسر هو بس متعصب علي اخته شويه وحوصل سوء تفاهم
نظرت روح اليه بضيق وهي تتفحصه.. نظراته كانت غريبة… عينيه لا تطابق كلماته وبصوته ما يشبه اللين لكن فيه شيء خفي فـ مد يده ليضعها على كتفها لكنها ابتعدت بسرعة ورددت بضيق :
حوصل خير مفيش مشكلة أهم حاجة دلوجتي إن مدام رحمة بخير
القت روح كلماتها وتركته واقفا بينما نظراته تلاحقها… بنوايا لا تبدو بريئة أبدا وبعد فتره داخل المقابر كان كل شيء ساكنا صامتا إلا من صوت أنفاس متقطعة ونشيج خافت حيث جلست روح على الأرض قدماها مثنيتان أمامها وذراعاها تعانقان ركبتيها وهي تحدق بعينين دامعتين في شاهد قبر مغطى بالتراب وبعض الورد الذابل… مكتوب عليه اسم فرات فـ مدت يدها المرتجفة ولمست أطراف الحجر ثم انهمرت دموعها وهي تتحدث :
عارفة يا فرات.. شوفت ال كاسر دا النهارده… شوفته بعيني… واحد معندوش جلب يا فرات… معندوش رحمة… دخل عليا زي العاصفة.. مسكني واتهمني إني كنت عايزة أجتل أخته… متخيلة… بس انا فعلا كنت عايزه اجتلها وغيرت العلاج وفي اخر لحظه اترددت… مجدرتش اجتل واحده ملهاش ذنب في اي حاجه غير ان اخوها شيطان معندوش انسانيه
شهقت روح وارتعشت شفتاها واكملت’
بس أنا هنتجم… جسما بالله يا فرات هخليه يدفع التمن… زي ما أنا خسرتك بسببه مش هسيب أي حد بيحبه يفضل جمبه… هبعده عن كل حاجة بيحبها… عن أخته عن جصره و عن راحته… هخليه يعيش اسوء ايام حياته
مدت روح يدها تتحسس اسم فرات المكتوب على الشاهد ومسحت دموعها بكفها المرتعشة وسكتت لحظات ثم همست:
نامي وانتي مطمنة… ومتخافيش… مش هسيبه وهاخد بتارك
قامت روح ببطء و نظرت حولها في صمت لم يكن هناك أحد سوى ظلال المقابر وأصوات ليل الصعيد الثقيلة… اتجهت نحو البوابة الصغيرة الحديدية التي تؤدي إلى الخارج ودفعتها بيدها وأحدث صوت الصرير فيها رجة خفيفة في السكون وما إن وضعت قدمها خارج المقابر حتى أضاءت أمامها أنوار سيارة سوداء ضخمة… توقفت فجأة وكأنها كانت تنتظرها لم يكن هناك وقت للهروب…. انفتح الباب الخلفي بعنف وقبل أن تصر.خ أو تتحرك انق.ض عليها رجلان ملثمان وسح.بوها إلى الداخل… حاولت أن تصر.خ… أن تضر.ب… لكن كفا قوية كتمت صوتها وأخرى كبلت يديها فرددت روح بصوت مخنوق، متهدج:
سيبوني… انتوا مين ؟! عايزين مني اي عاد.. سيبوني
لكن لا أحد أجاب والسيارة انطلقت في ظلام الليل تاركة المقابر خلفها…وكل ما بقي من روح في المكان…هو وشاحها الذي سقط بجانب قبر فرات يتمايل مع الريح كأنه يلوح لها… الوداع وفي الصباح استفاقت روح على صمت خانق والغرفة التي وجدت نفسها فيها كانت خالية إلا من سرير خشبي مهترئ وستارة نصف ممزقة تراقصها نسا.ئم خفيفة تتسلل من النافذة الصغيرة وجلست فجأة وهي تلهث تتلفت حولها بذ.عر قبل أن تصر.خ بأعلى صوتها:
يا نااس في حد اهنيه أنا فين؟ افتحوا… افتحوا الباب بالله عليكم
لكن لا جواب ترددت أصداء صر.اخها على الجدران وكأنها وحدها في هذا العالم المهجور فـ نهضت تتعثر في خطواتها حتى سقطت بجانب السرير وهناك… لاحظت شيئا محفظة صغيرة ملقاع بعشوائية كأن أحدا نسيها أو تعمد أن يتركها فـ مدت يدها ببطء و التقطتها وفتحتها بأصابع مرتعشة حتي صورتها وصورة كاسر فـتسمرت عيناها عليه وعلى الورقة المطوية خلف الصورة، ثم شهقت بانكسار وخرجت منها شهقة باكية وهي تهمس:
فرات …دي محفظه فرات هي محتفظه بصورتي وصورته بس ليه..ليه يا فرات دا ز.بالة… إزاي تحبي واحد زي دا.. اهه هو السبب في موتك.. هو السبب في كل ال حوصلنا
انفج.رت روح باكية وقلبها يتمز.ق ووجهها يتلوى بين الذكرى والخوف ثم زحفت نحو الباب وبدأت تض.رب عليه بجنون:
افتحولي… كاسر أنا عارفة إنك إنت ال جيبتني اهنيه كاسرر افتح أنا مش هسكتلك.. جسما بالله ما انا ساكتع انا عارفه انك عرفتني وعرفت انا مين. افتح بجولك
ظلت روح تضرب وتصرخ حتى سمع صوت المفتاح يدور من الجهة الأخرى فـ تراجعت خطوة وأنفاسها تتلاحق وجسدها يرتجف والباب يفتح ببطء…وعندما رأت من يقف خلفه تسمرت مكانها وشهقت شهقة مكتومة ثم تمتمت:
إنت… مستحيل و
الفصل الثالث
دموع علي ارض الصعيد
تسمرت روح في مكانها وقد تجمد الدم في عروقها عندما التقت عيناها بوجهه… وجه لم تعتقد أنها ستراه من جديد فخرجت شهقتها مكسورة وبالكاد نطقت:
إنت… مستحيل.. انت اي ال جابك اهنيه وعايز مني اي عاد
دخل الغرفة ببطء والابتسامة الباردة ترتسم على شفتيه تلك الابتسامة التي طالما كرهتها كان طويلا عريض المنكبين عيناه سوداوان كغياهب الليل فـ تقدم منها خطوة ثم أخرى، حتى بات على بعد أنفاس منها وابتسم قائلا بصوت خفيض مشبع بالحقد:
مش مستحيل ولا حاجة… انتي ال جولتيلي بنفسك إنك بتؤمني إن الدنيا صغيرة… أهي لمتنا تاني يا روح
ارتعشت شفتيها وهي تهمس:
أنت… كريم… انت عايز مني اي عاد
ضحك ضحكة قصيرة كأنها صفعة ثم قال بتهكم:
ايوه كريم…كريم ال كان خطيبك ال فضحتيه جدام الناس، وجولتي عليه خاين وميستاهلش كلمة راجل… ال لطختي سمعته وشوهتي صورته… والنهاردة أنا جاي أربيكي من اول وجديد واوريكي انا راجل ازاي. انتي كنتي تطولي اصلا اخطب واحده زيك.. دا مكنتوش لاجين تاكلو ولا تلبسوا.. بجا واحده زيك تعمل فيا انا اكده
ارتدت إلى الخلف وهي تصيح بانفعال:
ابعد عني… إنت مالك بيا.. أنا بكرهك… بحتقرك فاهم؟! مش ناسية إنك خونتني ودايما كنت تعايرني وبعتني من غير ما يرمشلك جفن… انت بالنسبالي ميت
القت روح كلماتها لكنه لم يتراجع بل اقترب فجأة كأن شيطانه قد استيقظ فيه ورفع يده بعنف ليكمش ذراعها ثم جذبها إلى السرير الخشبي المهترئ ودفعها بعنف عليه وصوته يعلو كأن كل جنونه قد انفجر دفعة واحدة وهتف:
أنا هعلمك… هفرجك أنا ممكن أعمل فيكي إي… ال تجرسني وتكسرني جدام الناس مينفعش أسيبها تعيش مرتاحة
صرخت روح وهي تحاول أن تتخلص من قبضته لكنه أمسك بحبل كان ملقى في أحد أركان الغرفة وقبل أن تتمكن من الهرب كانت يداه توثقان يديها إلى قوائم السرير وعيناها تمتلئان بالذهول والرعب حاولت أن تتكلم أن تستجدي أن تقاوم لكن كلماتها خرجت كأنها تنهار من بين شفتيها:
كريم… إنت بتعمل إي؟! إنت اتجننت؟! سيبني… بالله عليك سيبني!”
لكنه لم يسمع. كان قد أُغشي على عقله والظلمة التي سكنت قلبه جعلته لا يرى سوى الانتقام… لا يسمع سوى صدى إهانته القديمة ولا يشعر إلا بالرغبة في التمزيق وهي مربوطة اليدين وفي مكان اخر في زاوية المكتب المظلم، جلس رائف خلف مكتبه الكبير ويداه تعتصران رأسه بين كفيه و الأضواء الخافتة تعكس على وجهه ملامح الإرهاق والضيق بينما الساعة تشير إلى اقتراب منتصف الليل فـ دخلت فريده بخطوات مترددة ووقفت عند الباب قائلة بنبرة خافتة:
يا بشمهندس رائف… أنا خلصت كل اللي طلبته… والوجت اتأخر ممكن أمشي
رفع رائف رأسه ببطء ونظر إليها بنظرة حادة كأنها أيقظته من كابوس ثم قال ببرود مشوب بالاحتقار:
انا لسه موجود… يبجى انتي تفضلي موجودة
تلعثمت فريده قليلا قبل أن تقول بخوف:
بس أنا اتأخرت جوى وأهلي هيقلقوا عليا… لازم أمشي بسرعه
وقف رائف من مكانه فجأة واقترب منها بخطوات غاضبة لكن قبل أن ينبس بكلمة واحدة دفع الباب بقوة وظهرت اميره واقفة بثقة الطفولة الممزوجة بالعناد:
رائف… واحشتني
تراجع رائف قليلا ونظر إليها مندهشا قبل أن يعقد حاجبيه قائلا:
يا بنتي اميصحش كده… وبطلي الهبل ال بتعمليه دا انتي جاية اهنيه لوحدك في الوجت ده إزاي … ازاي اصلا تخرجي دلوجتي
تنهدت اميره بضيق وهتفت:
بدور على كاسر… تليفونه مجفول ومش لاجياه في أي مكان.. جولي اخوي فين
ثم التفتت إلى فريده وقالت:
اعمليلي نسكافيه لو سمحتي
نظرت فريده إلى أميرة بضيق قبل أن تحول نظرتها المتأففة نحو رائف فهز رأسه بإشارة باردة تدل على الأمر لا الطلب فاضطرت إلى الخروج وجلس رائف على طرف المكتب وقال بصوت منخفض:
وهو انتي طول الوجت ماشيه ورا كاسر كده؟ ما تتعلمي تعيشي من غيره شويه
اميره بضيق:
هو أخوي… ومجدرش اعمل اي حاجه من غيره.. لازم يبجي طدام عيوني اكده دايما
لم يرد واكتفى بالنظر بعيدا إلى أن عادت فريده تحمل كوب النسكافيه الساخن ووضعته أمام أميرة على المكتب فـ أخذته أميرة دون أن تشكرها وارتشفت رشفة واحدة… ثم عبست فورا ورددت:
هو إي ده…. فيه سكر كتير جوي انا عامله دايت
وفجاه قذفت بالكوب على فريده فارتد النسكافيه المغلي على يدها وصرخت سهى وهي تتراجع وقد احمرت يدها من الألم فـ نهض رائف فجأة واندفع نحوها بقلق واضح وأمسك يدها برفق:
فريده… إيدك… وريني اكده سخن عليكي.. تعالي نروح للحكيم
سحبت فريده يدها بسرعة ونظرت له بعينين دامعتين:
دي حاجة بسيطة… شكرا
ثم خرجت من الغرفة بسرعة ووقف رائف لحظات يراقب الباب المغلق ثم نظر لأميرة بعينين تشتعلان بالغضب، وقال:
يلا… جومي أهوصلك… كفاية دوشة وفضايح لحد اكده
نهضت أميرة دون رد وبعد فتره كانت روح ممددة على السرير الخشبي مقيدة بحبال خشنة غليظة تركت أثرها على معصميها والهواء في الغرفة ثقيل والرعب يخيم على كل زاوية وصوت خطوات يقترب ببطء ومع كل خطوة كانت أنفاسها تتسارع أكثر…فـ دخل رجل غريب الملامح واقترب منها وعيناه تلمعان بنوايا لا يحمد عقباها و مد يده نحوها فصرخت بكل ما تبقى في صدرها من قوة:
ابعد عني بالله عليك متقربش مني … سيبني يا بني آدم انت. عايز مني اي عاد
كانت تتلوى وتحاول الفكاك تبكي وتصرخ وتناشد لكن لا فائدة فـ اقترب أكثر وهم بلمسها…وفجأة انفتح الباب بقوة ليهتز معه الهواء واندفع كاسر إلى الداخل كإعصار هائج لا يرى أمامه إلا وحشا وردد:
إنت بتعمل إي عاد
صرخ به وهو يهوي على الرجل بقبضة من نار وظل يضربه حتى سقط الرجل أرضا بلا حراك ثم ركض نحو روح و فك قيودها وهو يردد:
انتي كويسه.. حد لمسك… جوليلــي
وقفت روح في صدمة وعيناها معلقتان به غير مصدقة أنه أمامها…وقبل أن تنطق بكلمة أخرى انطلق صوت تكة معدنية…ورجل آخر خرج من العتمة يصوب مسدسه نحو كاسر فصرخت روح بكل ما فيها، وبلا أي تفكير أو تردد،
ألقت بجسدها أمامه لتتلقى الرصاصة في صدرها بدلاً منه…ودوى صوت الطلقة ثم تبعه صوت ارتطام جسدها بالأرض فاقترب منها كاسر وحملها وخرج بسرعه وفي صباح يوم جديد
داخل أروقة المستشفى…وقف كاسر أمام نافذة زجاجية تطل على حديقة المستشفى الصغيرة ساكنا كأنه حجر يراقب حركة الناس بلا تركيز حتي اقترب منه رائف بهدوء وعقد ذراعيه أمام صدره وهو يسأله باستغراب:
بس انت مجولتليش… إزاي عرفت إنها هناك؟ كنت رايح فين عاد
استدار كاسر ببطء وغمغم بصوت خفيض فيه بعض الحدة:
كنت شايف تصرفاتها غريبة… وشاكك إنها ناوية تعمل حاجه في رحمه… فـ بدأت أراجبها… لحد ما شوفتها وحسيت ان فيه حاجة غلط
ضحك رائف بسخرية بسيطة وقال:
يعني رايح تنقذ ضحيتك؟ وهي ال أنقذتك… سبحان مغير الأحوال