إلتف الجميع حول طاولة الطعام يتناولون طعامهم فى صمت مطبق..لم يقطعه سوى صوت الملاعق والسكاكين..لتترك فجأة ليلة الملعقة من يدها قائلة:
إنت بعت حد لبيتنا فى شرم يشوف لين ياخالد.. ويشوف تليفونها كمان مقفول ليه ؟
وضع خالد ملعقته جانبا بدوره قائلا :
أيوة ياليلة..النهاردة الصبح ..الحقيقة أنا كنت هروح بنفسى بس ورايا إجتماع مهم معرفتش أأجله..هشوف حسام بس هيرد علية ويقول إيه وعلى الأساس ده هتصرف.
قالت ليلة بقلق:
أنا مش قادرة أصدق إنها قفلت تليفونها وهي عارفة أد إيه ده بيقلقنا.
قال خالد بحنق:
وعلى الرغم من إنى محذرها فعلا وطلبت منها متعملش كدة..فالتفسير الوحيد اللى أدامى دلوقتى إن تليفونها باظ أو….
قاطعه صوت شاهيناز وهي تقول بشرود قلق:
أو يمكن مع حد ومش عايزة تعرفنا أو حد خطفها.
نظرت إليها ليلة ب ة بينما نظر إليها خالد بحدة قائلا:
قصدك إيه ياشاهي؟حد مين ده؟
أفاقت شاهيناز على صوت خالد الحاد لتدرك أنها تفوهت بتلك الكلمات بصوت عال..لتقول بإرتباك:
ها..لأ..مقصدش حاجة.
لتقول ليلة موجهة حديثها إلى خالد:
لين مش ممكن تخبى علينا حاجة..لو مع حد كانت على الأقل هتقولى..لكن إحنا إزاي مفكرناش فى الإحتمال ده؟ممكن فعلا يكون حد خطفها.
قال خالد بهدوء حازم:
مستحيل..مفيش حد فى الدنيا يقدر يقرب لحد من عيلتى..إنتوا إخوات خالد نصار واللى يقرب منكم يبقى كتب نهايته بإيده.
قالت شاهي فى نفسها..بل يوجد أيها الغبي..يوجد من لديه الجرأة والقوة لفعل كل ما يحلو له..ولهذا أحببته وسأحبه دوما..
تلاقت عيناها فى تلك اللحظة مع عيني خالد الحادة المتفحصة لها..لتخشى ان تكون قد قالت كلماتها بصوت مسموع..لتطمئن قلبها بأن هذا مستحيلا..فلو سمعها خالد حقا..ما كانت تجلس الآن بينهم فربما كان قد قت…لها على الفور..لتخشى هذا المصير وتقف بتوتر قائلة:
أنا مضطرة أمشى..ورايا مواعيد وشغل كتير النهاردة فى المكتب …عن إذنكم.
تابع خالد إنصرافها ببرود..بينما رقت عيناه حين إلتفت إلى ليلة التى قالت بقلق:
أنا كمان مضطرة أمشى بس قلقانة على لين ومش هعرف أركز خالص فى المحاضرة قبل ما أتطمن عليها.
قال خالد بحنان:
إتطمنى ياليلة..النهاردة بالليل لين هتكون منورة البيت من تانى.
نظرت إلى عينيه الحانيتين ..تستمد القوة من نظراتهما الثابتة الواثقة..لتهز رأسها..ثم تنهض لتغادر الحجرة ..قبل ان يستوقفها صوت أخاها المتردد وهو يقول:
ليلة..هي…هو…
إلتفتت إليه ليلة ليستطرد قائلا بإرتباك:
إحمم..هو رقم جورية معاكى؟
إشتعلت عينا ليلة وشعت بسعادة طاغية ظهرت على ملامحها وهي تقول :
أيوة معايا.
لاحظ خالد سعادتها فقال بهدوء :
طيب إبعتيهولى فى رسالة ..
أمسكت هاتفها وجرت أصابعها على أرقامه بسرعة..قبل أن تنظر إليه قائلة بسعادة:
تم ياكبير..قوللى بقى عايز رقم تليفونها ليه؟
قال وهو يحاول أن يظهر بصوته بعض اللامبالاة:
عايز أكلمها آخد منها ميعاد عشان نتقابل ونتناقش فى موضوع أغلفة رواياتها.
شعرت ليلة بالإحباط لتقول :
أغلفة الروايات.
قال خالد:
أيوة ياليلة..أنا عايز أخلص من الموضوع ده بقى.
قالت ليلة بحزن:
عموما هتضطر تأجل المقابلة دى شوية.
عقد حاجبيه قائلا بقلق:
ليه يعنى؟
قالت ليلة:
لإن جورية سافرت لجدها..وهتقعد هناك فترة.
سافرت..إبتعدت عنه..إلى أين ذهبت؟ليترجم تساؤلاته إلى كلمات وهو يقول:
سافرت ليه ومكان جدها ده فين ياليلة؟
نظرت إلى عمق عينيه قائلة:
كانت مخنوقة شوية وحبت تبعد وتريح أعصابها..ومكان جدها هناك…فى الوادى ياخالد.
مخنوقة..مم؟شعر بالضيق..ثم توقف وهو يتعجب من حاله..لم يدرى لما دق قلبه عند سماعه تلك الكلمة..الوادى..يتساءل فى حيرة..عن مدلولها بالنسبة إليه..يدرك فى قرارة نفسه أن هناك علاقة تربطه بهذا المكان الذى لم يذهب إليه مطلقا رغم سفره إلى العديد من البلاد ..داخل مصر …….وخارجها.
********************
تأمل مؤيد ملامحها الجميلة و التى يعشقها فى برود يخفى ألما بقلبه ..فاليوم سيتركها تعود لأهلها وسيغلق صفحتها للأبد..فقد يأس من عنادها..ليقول بهدوء:
جاهزة ؟
اومأت برأسها بهدوء دون أن تنطق..ليستطرد قائلا:
يبقى يلا بينا..مفيش داعى نضيع وقت أكتر من اللى ضيعناه.
لم يمنحها فرصة للرد وإلتفت مغادرا ليوقفه صوتها المتهدج ألما وهي تقول:
مؤيد.
إلتفت يطالع ملامحها الحزينة وعيونها التى ترقرقت بالدموع وهي تقول:
إنت ليه عملت كدة فينا؟ليه فرقت ما بينا وخليتنى عايشة ومش عايشة طول السنين اللى فاتت دى؟
عقد حاجبيه قائلا:
أنا ..أنا اللى عملت كدة يالين؟..أنا اللى صممت على الطلاق من غير سبب ولما ضغط عليكى عشان أعرف ليه..عايرتينى بإنى مقدرتش أخليكى أم..
نزلت دموعها على وجنتيها وهي تقول بمرارة:
عشان أحمى قلبى منك..عشان أبعدك عن حياتى من غير ما أسمع أكاذيبك اللى هتبرر بيها عملتك.. ما هو غصب عنى هصدق كل اللى كنت هتقولهولى عشان متبعدش عنى..عشان مضعفش قصادك كدبت..بس مبقتش قادرة أكدب..محتاجة تفسير لخيانتك لية ..محتاجة تقوللى أنا قصرت معاك فى إيه؟عشان أكرهك بجد وأكمل حياتى بعدك..حياتى اللى من يوم ما غبت عنها وهي فقدت روحها ونبضها.
قال مؤيد فى ة:
إنتى بتقوللى إيه..وخيانة إيه اللى بتتكلمى عنها دى؟
قالت لين بمرارة:
خيانتك لية واللى شفت الدليل عليها بعينى..شهادة DNA بتقول إن فيه بنت من لحمك ودمك إتولدت..وإنك أنكرتها وأنكرت مامتها لغاية ما ماتت الأم.. والبنت إترمت فى ملجأ.
قال مؤيد ب ة:
إيه الكلام الفارغ ده..ومين اللى قالك عليه؟
قالت لين بألم:
حد قريب مننا مقدرش أكذبه وملوش مصلحة فى اللى قالهولى.
قال مؤيد بغضب:
يعنى صدقتيه هو وكدبتينى أنا من قبل حتى ما تسألينى..يااااه..للدرجة دى ثقتك فية معدومة..للدرجة دى كان حبك وإيمانك بية ضعيف.
قالت لين بحزن:
يامؤيد إنت كنت قبل الجواز…
قاطعها مؤيد قائلا بغضب:
إنتى قولتيها بنفسك..كنت..كنت..كنت طايش ومتهور وربنا هدانى على إيديكى..يشهد ربى إنى من يوم ما شفتك ولحد النهاردة مقدرتش واحدة غيرك تلفت إنتباهى او تهز شعرة فية..يشهد ربى إنى حبيتك من كل قلبى ومن ساعة ما عرفتك لغاية النهاردة ملمستش غيرك..يشهد ربى إنى كنت مخلص ليكى وعمرى ما خنتك لا قبل الجواز ولا أثناء الجواز ولا حتى بعده.
قالت لين ب ة:
إنت بتقول إيه؟يعنى كل الكلام اللى شفته بعينية ده كان كدب..طب إزاي..أنا وديت العينات لمركز طبى بتاع واحدة صاحبتى..يعنى النتيجة مستحيل تكون غلط.
قال مؤيد وقد تحولت ملامحه إلى البرود:
أنا قلتلك اللى عندى بس إنتى قايلة من الأول إن دى مجرد أكاذيب..ومش هتصدقيها..حكمتى علية من قبل ما تسمعينى..ظلمتينى زمان ومصرة تظلمينى دلوقتى..بس أنا هثبتلك الحقيقة ..وساعتها بس هخرج من حياتك وأنا مش ندمان..لإنك فعلا متستاهليش حبى..
نظرت إليه بألم..تستجدى الحقيقة الظاهرة بعينيه ولكن كلماته الأخيرة أدمت قلبها فصمتت ولم تنطق بحرف ليستطرد هو قائلا:
ياريت تسبقينى على العربية عشان أوصلك لأهلك..لإنى مستعجل أوصل للحقيقة وأخلص بقى من العذاب اللى عشت فيه سنين طويلة مع واحدة زيك.
ثم تركها مغادرا لتنساب عبراتها..تدرك أن لديه كل الحق فى غضبه وكلماته المحتقرة لها إن كان بريئا كما يقول..إن كان؟؟؟..أمازال لديها شك..تبا لها..فحروفه ومرارتها تنطق بصدقه..لتحتار لين فى ماض..لا تدرى من أين جاءت خطاياه وماالذى حدث به وأدى لخسارة اليوم….ويالها من خسارة.
********************
كانت جورية تتنقل بين أحواض الأزهار فى الحديقة..لتتوقف عند شجرة الريحان..لتعود إليها الذكريات مرة واحدة..فقد زرعها فهد أو خالد كما إتضح أن هذا إسمه..زرعها قبل سفره بفترة قصيرة..وكانت هي معه لحظة بلحظة تشاركه العمل وهي تستمع إليه وهو يحكى بشغف عن قرائته لفوائد تلك الشجرة العطرية والتى ذكرت فى القرآن لما لها من مميزات..لتصبح مهمتها الإعتناء بها فقط لإنها تذكرها به..حتى بعد سفره ..لمستها برقة ثم وقفت على أطراف أصابعها لتقطف ورقة منها..قربتها من أنفها وهي تغمض عينيها تستنشق عبيرها الرائع..لتفتح عينيها وهي تنظر إلى تلك الشجرة بإستحسان ..تشعر بالإمتنان لخالتها جليلة التى إعتنت بتلك الشجرة بعد إهمالها لها ورحيلها ..بل نسيانها أمرها كلية..فلقد إبتعدت عن كل ما يذكرها به..ولكنها عادت مجددا لتعود معها كل الذكريات..حية كما لو كانت حدثت فقط بالأمس.