إستيقظ نبيل على صوت تحطم شديد ..ليندفع بإتجاه حجرة مؤيد حيث يأتى منها الصوت ..ليدلف إلى الحجرة ويرى مؤيد يقف فى منتصف الحجرة لاهثا بقوة بينما تحطم كل شئ بالداخل..المرايا والأثاث..لم يعد هناك شيئا سليما بالمرة..ليقترب من صديقه الذى أطرق بوجهه أرضا قائلا بقلق:
مالك يامؤيد؟حصل إيه؟وإيه اللى خلى الأوضة بالشكل ده؟
رفع مؤيد وجهه إلى نبيل لينتاب نبيل الجزع وهو يرى تلك الدموع التى غشيت عيون صديقه..والتى لم يراها فى عين صديقه حين مات والد مؤيد فى حادث سيارة أليم ..ولم يراها حتى فى يوم طلاقه من زوجته السابقة والتى يدرك نبيل أنها كانت حب مؤيد الأول والأخير..عشقه الوحيد..فما السبب الجلل والذى كان ورائها اليوم؟ليقول نبيل وهو يمسك كتفي صديقه بيديه:
فيه إيه ياصاحبى مالك؟طمنى عليك.
إبتعد مؤيد عن محيط ذراعي صديقه وهو يستدير مانحا إياه ظهره قائلا بصوت مختنق:
أنا تعبان يانبيل..تعبان.
ليتنهد مستطردا:
يوم ما طلبت منى الطلاق كانت تى كبيرة.
أدرك نبيل أن السبب فى ألم صديقه هي زوجته السابقة وعشقه لها..ربما هناك جديد بخصوصها..أفاق من أفكاره على صوت مؤيد وهو يقول:
مقدرتش أتناقش معاها او أقنعها..وخصوصا إنها قالتلى إن نفسها تخلف وإنى مش قادر أسعدها بطفل يملى عليها حياتها ورغم إن لا أنا ولا هي فينا عيب يمنعنا من الإنجاب..وإن التأخير مش ذنبنا.. دى حكمة ربنا وقدرنا..بس كرامتى كراجل خليتنى أرفض اعيش مع واحدة غصب عنها حتى ولو كانت روحى فيها..طلقتها وأنا قلبى بينزف..بيموت بالبطئ..ماهو حبها كان النفس اللى بعيش بيه…ساعتها بجد قلبى مات..وإفتكرت إنى كرهتها..وعشان كدة سافرت على هنا..كنت بهرب من ذكرياتى معاها اللى كنت بشوفها فى شقتنا وفى كل مكان بروحه..كنت بهرب من شبح عشقها الساكن جوايا ..واللى حتى فى أنفاسي كنت بلاقيه.
كان نبيل صامتا تماما..تاركا لصديقه الفرصة ليعبر عن مكنون قلبه ربما للمرة الأولى..فلم يتحدث مؤيد عن إنفصاله من زوجته قبل ذلك ابدا..فلربما أراحه ذلك من عذاب يدركه فى كل حرف من حروف كلمات مؤيد والتى تنطق بحزنه ومرارته..أفاق مجددا من أفكاره على صوت مؤيد وهو يقول:
تلات سنين بحالهم وأنا هنا فى غربتى بعيد عنها..فكرت نفسى قدرت أنساها وأنسى عشقها اللى كان بيجرى فى دمى..بطلت أحب القهوة لإنها بتحبها..بطلت أسمع فرانك سيناترا لإنها بتحبه..كل حاجة ميزتها فى نظرى بعدت عنها عشان متفكرنيش بيها..بطلت حتى أفتح النت و صفحتى الشخصية عشان مدورش عليها وعلى أخبارها..بس غصب عنى لقيتنى بفتح النت النهاردة وبدور عليها ..تعرف لقيت إيه؟
إستدار ليواجه عينا صديقه القلقتين بعينيه المتألمتين وهو يقول ب ية مريرة:
لقيت خبر عنها فى الجريدة الوطنية..صورة ليها مع محمود عزمى.. المليونير المعروف صاحب أكبر قرية سياحية فى مصر..وعنوان تحتها عريض عن قرب سماع خبر سعيد هيفرح كل المقربين من العيلتين..عارف ده معناه إيه؟
أدرك نبيل بالطبع معنى تلك الكلمات ولكنه آثر الصمت ومؤيد يقول بمرارة:
معناه إن الهانم خلاص هتتجوز واحد غيرى..حبت تحقق حلمها بالطفل اللى أنا كمان إتمنيته..بس إتمنيته معاها هي وبس ..الهانم خلاص نسيتنى ومبقتش أفرق معاها خلاص..كملت حياتها من بعدى..بس أنا اللى مقدرتش أكمل..وقفت فى مكانى عاجز عن إنى أخرج من محراب حبها اللى سجنت قلبى وحياتى جواه..هي عايشة ومبسوطة وأنا بتقطع كل يوم من سكينة ها ونزيف قلبى فى بعدها..واللى كانت هي السبب فيه.
ليغمض عينيه لثوان شعر فيهم نبيل أن مؤيد يحاول أن يحتوى ألمه النابض بعروقه..ليفتح مؤيد عينيه فجأة ليتأكد نبيل من ظنه ..يرى ة إحتلت عينا صديقه وهو يقول:
بس وحياة ليالى مدقتش فيها النوم عشان حرمتنى ها..وحياة أيام كنت بتعذب فيها كل أما اغمض عينى وأشوف صورتها أو أسمع إسمها..وحياة دقات قلبى اللى كانت بتزحف من الألم وبتبهت فى كل ثانية مرت وهي مش جنبى..لأدفعها التمن غالى..وأخليها تعرف إن مش مؤيد الحسينى اللى تلعب بيه وبمشاعره وتعتبره لعبة فى إيديها ممكن تلعب بيها شوية وتكسرها وبعدين تدور على لعبة غيرها..لأ..مبقاش أنا إن ما خليتها تركع على رجليها أدامى..تتمنى منى السماح وساعتها بس همسح صورتها من قلبى وإسمها من عقلى وحبها من تكوينى..ساعتها بس هنساها..للأبد.
قال نبيل بقلق:
هتعمل إيه يامؤيد؟
قال مؤيد فى صرامة:
هرجع مصر ..بكرة الصبح.
********************
كان خالد يلاعب طفلته الصغيرة ..يبتسم بحنان على طفوليتها وضحكاتها البريئة العفوية..ليتذكر صاحبة الضحكات التى تماثلها عفوية وسحرا..تلك التى سلبته راحة البال وأصبحت تشغل عقله..يتساءل عن سبب غزوها لأحلامه التى تقض مضجعه ولكنها فى الوقت نفسه تمنحه شعورا رائعا بالحياة..أفاق من أفكاره على يد تلك الصغيرة التى قرصته بخفة فى وجنته ليقول بحنان:
بتقرصى بابى ليه ياريمو؟
قالت ريم بشقاوة محببة:
عشان تبطل تسرح وأنا جنبك يا بابى..حتى لو كنت بتفكر فى مامى..مش مسموح طول ما إنت معايا..مفهوم؟
إتسعت إبتسامته وهو يقول:
حبيبتى الصغيرة كبرت وبقت بتغير على بابى.
قالت ريم ببراءة :
عشان بحبك لازم أغير عليك..عادل قاللى كدة.
إتسعت عينا خالد بدهشة قائلا:
عادل ده مين ياريم؟
قالت ريم :
زميلى فى المدرسة يابابى..بيحبنى وأنا بحبه..بس هو كان زعلان منى عشان انا مبغيرش عليه من ساندى ..وقاللى عشان أكون بحبه لازم اكون بغير عليه.
قال خالد بحنق:
حب إيه وغيرة إيه فى سنكم ده..انتى قلتى الكلام ده لمامى ياريم؟
قالت ريم ببراءة:
قلتلها يابابى..
قال خالد :
وقالتلك إيه؟
قالت ريم:
ضحكت هي وطنط ماهى .
قال خالد بحنق هامس:
ضحكت ! دى أم بتربى دى؟..حاجة تعلى الضغط.
ليقول بتروى موجها حديثه إلى ريم :
بصى ياريم..إنتى عندك ٧ سنين..يعنى لسة صغيرة أوى على موضوع الحب ده..عادل زميلك وبس..وإنتى كمان زميلته وبس..لما تبقى أد مامى..هتحبى وتنحبى..ومن هنا ورايح متقعديش مع عادل ده ولا تكلميه أصلا..اقولك..أنا بكرة هنقلك من المدرسة دى خالص.
قالت ريم بحزن:
ليه بس يابابى؟..سيبنى فى مدرستى دى ..انا بحبها وبحب المدرسين اللى فيها.
قال خالد بحزم:
معلش ياقلبى..عشان أنا بحب ريمو وخايف عليها..لازم أعمل كدة..إتفقنا؟
اومأت برأسها وهي تطرقه بحزن..ليقبلها فى رأسها قائلا:
تصبحى على خير ياحبيبتى.
همست ريم قائلة:
تلاقى الخير يابابى.
قال خالد:
فين ة بابى.
قبلته ريم فى وجنته قبل أن تتجه إلى السرير تتضجع عليه ليدثرها خالد برفق ويقبلها فى جبهتها ثم يغادر الحجرة مغلقا الباب خلفه ..ليتجه إلى حجرته حيث توجد زوجته المستهترة..والتى يدرك أنها فى أعماقها تحب طفلتها ولكنها فقط لا تجد الوقت مابين عملها وحفلاتها لرعايتها..لتتركها هكذا..وحيدة..وتقريبا….بلا أم.
الفصل الثانى
لا ت وا منى وتقولون فتاة خيالها واسع
تريد بطلا كأبطال رواياتها ..رومانسي رائع
الكون خال منهم..وليس هناك حقا نجم ساطع
كلا …..بل يوجد فى هذا الكون نجمي اللامع
فقط سأنتظره أو أبحث عنه..لن أيأس ولن أتراجع
*************
دلف خالد إلى حجرته ليجد شاهيناز جالسة أمام المرآه تضع بعض الكريمات على يديها وقدميها..إتجه إلى سريره بصمت وخلع عنه تيشيرته ثم إضجع عليه بهدوء..يضع يديه تحت رأسه ناظرا إلى سقف الحجرة لثوان ثم مغمضا عينيه ..شعر بها تقترب من السرير..يسمع حفيف ثوبها..لتتمدد بجواره..ثم تمرر أظافرها الطويلة على طول صدره العارى..جز على أسنانه بقوة..فهو اليوم لا رغبة له مطلقا فى أن يقترب منها أو حتى يلمسها..ليتساءل فى نفسه……
منذ متى كانت لديه تلك الرغبة الجامحة بها؟رغبة العاشق بمعشوقته؟ربما أبدا لم تكن لديه تجاهها..أفاق من شروده على صوتها الهامس بإسمه فى إغراء قائلة:
خالد.
فتح عيناه يطالعها ..فإقتربت منه تود تقبيله ليشيح بوجهه عنها ثم ينهض فجأة..لتعتدل عاقدة حاجبيها وهي تقول:
مالك ياخالد؟
نظر إليها فى حيرة لايدرى بما يجيبها..أيخبرها أنه فقد الرغبة بها منذ زمن طويل؟.. ربما منذ أن أدرك أنه تزوجها دون إرادة منه حقا..وأنه كان غرا ساذجا عندما ظن أنه ربما أحبها بعد الزواج..وأنه لا بأس بزواج المصلحة هذا..أم يخبرها أن فتاة أحلامه قد شغلت عقله وقلبه ولم تدع فيهما مكانا آخر لغيرها؟..ستظنه حتما مجنون..
أم يخبرها أنه ينفر منها لإنه يستشيط منها غضبا بسبب إهتمامها بعملها وحفلاتها وصديقاتها..وإهمالها إبنتها؟لا يدرى حقا ماذا يقول لها..ليفضل أن يخبرها بشعوره الأخير.. يهاجم ذاتها الأنانية المستهترة والتى لاتكترث بأحد ..ليعقد حاجبيه وهو يقول بحدة:
لما ريم جتلك وقالتلك على موضوع عادل..ليه محكيتليش؟ وإزاي تضحكى إنتى وماهي على حاجة زي دى؟..مش المفروض كنتى إتكلمتى معاها وفهمتيها بالراحة إن ده غلط وإنها لسة صغيرة على الكلام ده؟
نهضت شاهيناز وهي تقول بعصبية:
فيه إيه بس ياخالد؟الموضوع ميستاهلش كل الكلام ده..دول أطفال..يعنى كل ده لعب عيال على فكرة.
نظر إليها قائلا ببرود:
إنتى شايفة الموضوع ميستاهلش..بس أنا شايفه يستاهل..بنتك لازم تاخدى بالك منها..هي صحيح عندها ٧ سنين بس اللى هتتربى عليه دلوقتى هو اللى هتكبر عليه..ومفاهيمها دلوقتى بتتكون..يعنى لازم تعرف إيه الصح وإيه الغلط..مفهوم؟
نظرت إليه بحنق..ليردد بصرامة:
مفهوم ياشاهيناز؟
قالت شاهيناز فى ضجر:
مفهوم.
تأملها للحظة قبل أن يأخذ تيشيرته ويلتفت مغادرا الحجرة لتستوقفه قائلة:
رايح فين؟
توقف وهو ينظر إليها بجانب وجهه قائلا:
نازل الجنينة أشم شوية هوا.
ثم أكمل سيره مغادرا الحجرة بهدوء..لتجلس شاهيناز على السرير..زافرة أنفاسها بغيظ..قائلة:
الوضع كدة مبقاش مريحنى ياخالد ..ولازم أشوف حل قبل ما تضيع منى وتضيع معاك فلوس عيلة نصار..وده مش ممكن يحصل…..أبدا.
********************
…..بعد مرور عدة أياااام.
كانت ليلة تجلس مع صديقتها لبنى فى كافيتريا الجامعة..ينتظران موعد المحاضرة القادمة..حين زفرت ليلة بقوة قائلة:
على فكرة يا لبنى ..الرواية اللى قلتيلى عليها معجبتنيش خالص..بصراحة مقتنعتش بشخصية أبطالها..إزاي بس ظابط فى المخابرات ويطلع بالشخصية الضعيفة الهشة دى؟
إبتسمت لبنى قائلة:
كنت عارفة إن ده هيكون رأيك..على فكرة أنا كمان لما قريتها إنبارح حسيت نفس الإحساس..وإتصلت بسوسن وبهدلتها ..وقلتلها ياتقوللى على رواية كويسة ..ياتقطع علاقتها بية نهائى.
ضحكت ليلة برقة قائلة:
بالذمة مش عيب علينا..نبقى إتنين محترمين فى آخر سنة فى كلية طب ويبقى ده حالنا؟..مجانين روايات.
شاركتها لبنى ضحكاتها وهي تقول:
لأ ومش بس كدة..سايبين أبطال الواقع وغرقانين فى حب أبطال الروايات..أهو ده الجنان الرسمى.
إبتسمت ليلة قائلة:
نعمل إيه بس إذا كان أبطال الروايات أحلى كتير من الحقيقة..زي ما بنحلم يكون فارس أحلامنا بالظبط..وسيم..رزين..رومانسى..وبيعشق البطلة من أول نظرة.
قالت لبنى بلهجة ذات مغزى:
ما انتى عندك بطل فى الحقيقة كدة..دكتور وليد..وسيم وغنى وبيعشقك من أول مرة شافك فيها.
ظهر الإستنكار على وجه ليلة وهي تقول:
وليدإيه بس..إنتى بتقارنى وليد بأبطال الروايات؟ لأ طبعا..مفيش مقارنة..وليد بتاع بنات وخفيف كمان..أنا بطل أحلامى غير.
هزت لبنى شفتيها يمنة ويسارا قائلة:
خلينا كدة بنتأمر على خلق الله لما هنعنس.
إبتسمت ليلة ولم تعلق..لتقول لبنى:
المهم..مقلتلكيش بقى..سوسن وكتعويض منها لينا على اللى حصل..قالتلى على إسم كاتبة أقل حاجة تتقال عنها إنها رائعة..وده كلام سوسن طبعا..اللى قريتلها رواياتها كلها (أحببتك وإنتهى الأمر)و(أنفاس حياة)وكانت بتقرالها (أقدار الحب)روايتها الجديدة واللى لسة نازلة السوق إنبارح فى المعرض .
مطت ليلة شفتيها الجميلتين قائلة:
هي أسماء القصص تشد الصراحة..بس مبقاش عندى ثقة فى إختيارات سوسن نهائي يا لبنى.
هزت لبنى كتفيها قائلة:
ولا أنا.. بس هقولك حاجة ودى بقى انا واثقة منها..سوسن مش ممكن تدفع فلوس فى ٣ روايات لكاتبة إلا لو كانت بجد تجنن.
نظرت إليها ليلة قائلة فى حماس:
طب وإحنا مستنيين إيه؟قومى بينا؟
عقدت لبنى حاجبيها قائلة:
على فين؟
قالت ليلة:
على المكتبة طبعا نجيب الروايات.
قالت لبنى :
طب والمحاضرة؟
قالت ليلة بلهفة:
إعتبرى إن الدكتور إعتذر..قومى بقى.
لتبتعد بإتجاه سيارتها بخطوات سريعة..لتنهض لبنى تتبعها وهي تقول بإبتسامة:
صاحبتى ومجنونة..زيي بالظبط..هنعمل إيه بس؟
لتتجه بخطوات سريعة إلى حيث سيارة صديقتها ..وبداخلها شغف مثلها تماما لرؤية تلك الروايات التى تحكى عنهم صديقتها سوسن..تتمنى أن تكون تلك الروايات حقا…..رائعة.
********************
دلفت سها إلى حجرة مكتب لين قائلة بعصبية:
إنتى تشوفيلك حل فى مرات أخوكى دى يالين..ياهقدم إستقالتى وحالا.
نهضت لين من على كرسيها وهي تقول:
طب إهدى بس وأقعدى وفهمينى بالراحة..إيه اللى حصل؟
جلست سها وهي تزفر قائلة:
الهانم ياستى مفكرانى مديرة مكتبها هي.. مش مديرة مكتبك إنتى..وكل شوية تبعتلى أخلصلها شغل..مع إن معاها مروة ومروة شاطرة جدا فى شغلها زي ماإنتى عارفة..بس كبرت دماغى.. وكل ماتبعتلى شغل كنت بخلصه.