رواية بقلم نسمة مالك

هب واقفاً ينظر لشاشة التلفاز بعيون متسعة كالمجذوب، وبذهول مقارب للجنون تحدث..
“ملازم؟!!!..”
نظر لشقيقه أحمد، الذى ينظر للشاشة بوجه شاحب، وببطء، أبعد نظره، واغمض عينيه بقوة، وفتحهما مرة أخرى، لعله يتوهم وبعدم تصديق ردد..
“دكتور؟!..”
ارتمى أيمن بجواره، وهمس بصوت مرتجف..
“ملازم..هو قال ملازم يا احمد؟؟!!..”
ابتلع احمد لعابه بالكاد كأن حلقه جف، وبتلعثم همس..
“دكتور يا ايمن؟؟..”
مسح على وجهه وشعره كأنه يشعر أن أحدهم سكب عليه ماء بارد، وتابع بعدم تصديق..
“ايوب دكتور جراح؟؟؟..”
بجسد ينتفض من شدة بكائها هبت زينب واقفه،وبخطوات بطيئة متثاقلة تقدمت نحو التلفاز، ووقفت أمامه مباشره تستمع لصوت غناء ابنها بصوته العذب، ودموعها تنهمر بغزارة على وجنتيها وبحب شديد تردد..
“قلب امك يا حبيبى”..
تتحسس شاشة التلفاز بحنان وأشتياق بالغ،وبتأكيد تحدثت..هاجيلك يا حبيبى..”
بكت بنحيب..
“بأذن الله هجيلك يا ضنايا..”
هبت ليان واقفة، وببكاء تحدثت..
“مش لوحدك اللى هترجعى يا ماما زينب..”
نظرت لزوجها نظرة مشتعلة باللوم والغضب،
شعر أيمن بالضيق وجف حلقه، وتعالت نبضات قلبه، وتباطأت أنفاسه، وبصعوبه همس..
“قصدك ايه يا ليان؟؟..”
بصوت حزين مرتجف، تابعت ليان..
“يعنى انا وولادى هنرجع مع ماما زينب..”
ضيق أيمن عينيه، ونظر لها بعدم فهم، وبتساؤل تحدث..
“ترجعى فين وابنك تعبان ومحجوز فى المستشفى ولسه مش عارفين هيخرج امتى؟؟..”
انتهت أغنية ايوب، فاقتربت زينب من ليان، وقفت إلى جوارها، تحدثها كأم لها
“خليكى يا ليان يا بنتى…وانا هفضل معاكى لحد ما نطمن على أيوب الصغير..”
تنهدت براحة..
“انا الحمد لله قلبى بقى مطمن على أيوب ابنى..”
ربتت على ظهرها بحنان..
“عقبال ما ربنا يطمن قلبك على ابنك يا حبيبتى.”.
لكن ليان رفعت رأسها بأصرار قائلة “هنجهز أوراقنا وفى أقرب وقت هنكون فى مصر يا ماما انا وانتى وبناتى..”
أغمضت عينيها بقوة، لتتساقط دموعها بغزارة أكثر..
“وابنى كمان..”
ثارت ثائرة أيمن “انتى بتقولى ايييييه..ابنك هيسافر ازاى وهو بحالته دى..”
ابتسمت ابتسامة ساخرة..
“أيوب ابنى عمه دكتور جراح قلب يا أيمن..”
أخذت نفس عميق تحاول السيطرة به على حدة بكائها، وبألم حاد تابعت..
“وعمه هو اللى هيعمله العملية..”
تغلبت الحيرة على أيمن، فنظر لشقيقه الجالس بجواره واضعاً رأسه بين كفيه يبكى بصمت وندم، بدأ يشق طريقه نحو قلبه..
فامتلأت عيناه بالعبرات، وحاول الحديث، لكنه التزم الصمت، أخفض أيمن رأسه بخزى بعدما قرأ ما يدور بعقلها، ونظرتها المشتعلة بالغضب تخبره أنها لن تتهاون بمعاقبته،
مسح بطرف أصبعه دمعة سالت من عينيه، فأحرقت روحه قبل وجهه حزناً على حاله وما ألقى نفسه به..
ماذا جنى الآن..على وشك فقدان كل ما وصل إليه،
تنظر له زوجته هو وشقيقه بأسف وكثير من الاشمئزاز،
فهما لا تعنى لهما أواصر الرحم شيئاً،
حالة من الصمت المريب خيمت على المكان،
قطعت زينب هذا الصمت، وبرجاء تحدثت..
“عايزه اكلم ايوب..”
نظرت لكلاهما
“..اتصلو على اخوكم عايزه أكلمه.”.
بيد مرتجفة اخرج أيمن هاتفه، وطلب رقم شقيقه،
لحظات، واتاه صوته الملتهف..
“اييييه يا ابنى برن عليكم من امبارح..انتو كويسين..”
انفجر أيمن بالبكاء، يبكى بانهيار، ليتابع أيوب بفزع..
“مالك يله؟؟..”
ارتجف صوته..
“امك فيها حاجه؟؟..”
ازدادت حدة بكاء أيمن، وبصعوبة تحدث من بين شهقاته..
“انت دكتور جراح قلب يا أيوب..؟؟”
ايوب ببكاء فشل باخفائه..
“شوفت الفيديو؟؟..”
ابتسامة باهتة ارتسمت على وجه أيمن من بين دموعه..
شوفته يا حضره الملازم..”
بكى بنحيب اكبر..
“شوفته يا ابن ابويا..”
نظر لزوجته بعيون نادمة مليئة بالعبرات، وأسرع بإعطاء الهاتف لوالدته، وركض لخارج المنزل بخطوات سريعة يود لو تبتلعه الأرض،
بلهفه تحدثت زينب..
“قوم يا احمد ورا اخوك متسبهوش لوحده يا ابنى..”
أسرع أحمد خلف شقيقه،
رفعت زينب الهاتف على أذنها، وببكاء وفخر تابعت..
“الو يا حضره الدكتور الظابط..”
بكت وضحكت..
“واحشتنى يا قلب امك..”
ابتسم ايوب ودموعه تهبط على وجنتيه ببطء، فأسرعت زوجته الجالسة داخل حضنه، وتجفف دمعه بشفتيها،
أغمض أيوب عيناه مستمتع بلمستها، التى تذيب قلبه، وبتنهيده تحدث..
“واحشتينى اوى يا امه..كل سنه وانتى طيبه وبألف خير وصحه يا ام ايوب..”
اللهفة والاشتياق كانت تعتصرها وهي تقول..
وانت طيب يا قلب امك..اطمن يا حبيبى انا هجيلك قريب..بس مش هاجى لوحدى..”
بفرح غامر قال أيوب..
“اخواتى هيرجعو معاكى يا أمه؟؟..”

انت في الصفحة 41 من 47 صفحات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
282