الفصل الاول
د.موع علي ارض الصعيد
كان الليل قد تمدد على المدينة الصعيدية كغلاف من سكونٍ ثقيل لا يعكره سوى نباح كلبٍ بعيد، أو حفيف شجرةٍ تميل تحت وطأة الريح والطرقات خالية، والمنازل موصدة على أسرارها الا من ظلّ واحد يمشي مترنحا بين العتمة….. كانت فرات تمضي بصعوبة وقدماها الحافيتان تجران جسدا منهكا وملابسها ممزقة لا تستر سوى بالكاد. ووجهها مخدوش والدم الجاف يلطخ وجنتها وعيناها محمرتان كأن البكاء سكن فيهما حتي وصلت أخيرا إلى باب قديم ذي خشب متآكل فـ رفعت يدها المرتجفة وطرقت الباب ثلاث طرقات متتالية خفيفة لكنها مستغيثة حتي فتح الباب فجأة وتجمّدت الفتاة لثوانٍ وحدقت في الطيف الواقف أمامها ثم شهقت شهقة اخترقت سكون الحارة مردده:
فرات يا نهار اسود… إنتي جرالك إي عاد.. فرات.. مللك يا بنتي جوومي
حاولت فرات أن ترد لكن جسدها خذلها وانهارت بين ذراعي بنت عمها فصر.خت روح بكل ما فيها:
يا ناس…. يا عمه… الح.قينيييي.. يا لهوي
خرجت امرأة في منتصف العمر من داخل البيت وهي تضع الطرحة على رأسها بسرعة وركضت نحو الباب وقد بدا الذهول على وجهها وهتفت:
اي الصوت ده؟ يا روح مالك في اي يا بنتي بتصر.خي اكده ليه عاد
صر.خت روح بفز.ع وهي تحاول ايفاق ابنه عمها:
فرات… فرات رجعت… بصي… بصي شكلها.. دي بتنز.ف….. الحقينا يا عمه هتمو.ت.. فرات هتم.وت
ركعت المرأة جوار الفتاة الملقاة وامسكت نبضها وربتت على خدها محاولة إفاقتها مردده:
فرات يا بنتي… سمعاني؟ مين عمل فيكي اكده… فرات مالك
لكن فرات لم تجب واكتفت بد.معة وحيدة انسابت على خدها بهدوء كأنها اعتراف صامت بما عجزت عن قوله فرفعت روح نظرها إلى عمتها والذ.عر يملأ عينيها مردده:
احنا لازم نوديها مست.شفى… دي بتمو.ت
هزت المرأة رأسها ثم نظرت نحو الداخل وقالت بصوت حازم:
روحي نادي حد من جيرانا يساعدنا… الليلة دي شكلها مش هتعدي على خير
وبعد فتره في المست.شفي كاتت رائحة المطهّرات تخنق الممر والأنوار البيضاء تسكب قسو.تها على وجوه المتر.قبين فـ وقفت نعيمة عمة فرات في زاوية الممر تشد الطرحة فوق رأسها كأنها تحاول أن تغلق على رأسها صخب الحقيقة وما إن لمحت الطبيب يخرج من الغرفة حتى اندفعت إليه بعينين تائهتين وصوت مختنق:
يا حكيم… طمني عليها بنت أخوي مالها
تنهد الطبيب ثم تطلع حوله بحذ.ر قبل أن يقول بصوت خا.فت:
الحالة اتعر.ضت للاسف… حاله
جف حلق نعيمة وخارت قدماها حتى كادت تسق.ط ووضعت يدها على صدرها ثم تمتمت بصوت مرتعش:
يا ساتر… يا رب استرنا…اي ال انت بتجوله دا يا حكيم… مستحيل… مستحيل
وقبل أن ينطق الطبيب بكلمة أخرى أمسكته من ذراعه بتوسل:
ابو.س يدك يا بني متجولش لحد.. متكتبش في التقرير الكلام دا… الناس مش بترحم حد وسيرتنا هتبجب علي كل لسان والبنت دي هتتبهدل وهتودينا ف داهية.. ابو.س يدك يا ابني
سحب الطبيب يده وردد:
بس لازم البلا.غ.. دي جر.يمة ولازم ال عمل اكده يتحاسب
نعيمه بلهفه:
احنا هنلمها وناخدها ومش عايزين وجع جلب… حرام عليك، خليها تعددي ابو.س يدك يا ابني
نظر ابطبيب اليها بضيق ومضى في صمت، تاركا الباب مفتوحا فـ دخلت نعيمة الغرفة بخطوات سريعة وعيونها تقدح نارا وكانت فرات مستلقية شاحبة كأنما لا تزال تهرب بجسدها من ذكرى ما جرى فـ اقتربت نعيمة فج.أة ومدت يدها إلى ملابسها ثم جذ.بتها بع.نف وهتفت:
مين عمل فيكي اكده يا بت انتي… انط.جي مين.. سلنتي نفسك لمين
ثم صفعتها دون وعي وهي تصر.خ:
فض.حتينل يا جليلة الشر.ف… ده جزانا نربيكي ونتقي ربنا فيكي وانتي تعملي اكده
تدخل الطبيب فج.أة وأمسك بيدها مانعا إياها من ضرب.ها ثانية مردفا:
حرام عليكي يا حجه… دا مش ذ.نبها…. دي ض.حية انتي مش شايفة حالتها
تراجعت نعيمة وهي تلهث ثم صاحت بعينين جاحظتين:
لازم نخرجها من اهنيه حالا… مفيش جعاد أكتر من اكده كفاية فضا.يح
دخلت روح الغرفة وهي تبكي وتشبثت بيد عمتها محاولة إيقافها:
حرام عليكي يا عمتي دي لسه تعبانة… خليها ترتاح.. مش كفايه ال حوصلها
لكن نعيمة دفعتها بعن.ف وقالت وقد علا صوتها:
اخرسي انتي كمان… البت جابتلنا العا.ر… العا.ر يا ناس.. مش هنجعد ثانية واحدة اهنيه… دي لازم تد.فن وشها ف الأرض.. هنخرج يعني هنخرج
سق.طت دمعة ثقيلة من عين فرات دمعة واحدة تاهت بين الو.جع والخذ.لان بينما يدها الضعيفة تشد الغطاء على جسدها كأنها تحاول أن تختبئ من الدنيا كلها وبعد فتره كان ضوء الفجر قد بدأ يتسلل إلى الغرفة من خلف الستائر المهترئة يلون الجدران بلمسة باهتة من النور الرمادي وسكون ثقيل يخيم على المكان لا يقطعه سوى أنفاس متقطعة ممزوجة ببكاء مكتوم فجلست روح على حافة السر.ير تراقب ملامح فرات الشاحبة عينا الأخيرة كانتا مغلقتين لكن د.موعها تنساب بصمت فوق خديها وكانت تضم نفسها كأنها تحتمي من برد العالم وخو.فه فـ اقتربت روح أكثر وهمست بصوت مرتجف:
فرات… جوليلي بس… إي ال حوصل.. أنا كنت في الشغل طول اليوم ولما رجعت لاجيتك اكده… مالك يا أختي مين عمل فيكي اكده
ارتعشت شفتا فرات ثم خرج صوتها ضعيفا مبحو.حا:
هو… كاسر…كاسر بيه
تجمدت ملامح روح واتسعت عيناها بالد.هشة والذهول مردده:
نعم؟! كاسر؟! كاسر الالفي… ال بتشتغلي عنده في الثرايا بتاعته
أومأت فرات برأسها بخفة وانحدرت د.معة أخرى على خدها دون أن تفتح عينيها وهمست:
ايوه هو….. هو يا روح ال عمل فيا اكده
وف.جاه غلبها البكاء فغطت وجهها بكفيها وانف.جرت د.موعها بحر..قة فعضت روح على شفتها تحاول كبح غضبها ثم صاحت:
لع يا فرات… مينفعش نسكت إحنا لازم نبلغ البو..ليس ده لازم يتحاسب ده مجرم.. مش علشان احنا مش معانا حاجه وعلي قد حالنا يبجي يعمل فينا اكده