«كان الأب لديه ثلاثة أطفال يريدون الطعام، ولكنه طُرد من عمله ولم يكن معه مال… لن تصدّق ماذا فعل!»
في مساء بارد من مساءات الشتاء، جلس “حسن” في ركن البيت الصغير، يحاول يخفي قلقه عن أولاده الثلاثة اللي كانوا قاعدين حواليه ينتظروا أي لقمة تسد الجوع اللي بقاله يومين بيعض في بطونهم. كانت زوجته تبص له بنظرة كلها خوف، لكن من غير كلمة واحدة… كانت تعلم إنه بيحاول يعمل المستحيل علشان ما يحسسهمش بالعجز.
من أسبوعين فقط اتطرد من شغله في المخزن بعد ما الشركة قللت عدد العمال. مفيش تعويض، مفيش إنذار، مفيش فرصة. خرج يومها وهو حاسس إن الدنيا بتتقفل في وشه باب ورا باب.
لكن اللي أكتر وجعًا من ضياع الشغل… كان صوته الداخلي وهو يسمع ابنه الصغير يقول:
“بابا… إحنا لسه ماكلناش النهاردة.”
في اللحظة دي تحديدًا، اتولد عند حسن إصرار جديد. وقف، لبس هدومه القديمة، وقال لمراته بصوت هادي لكنه ثابت:
“والله ما هننام جعانين… أنا خارج أدور على رزق لحد ما ألاقيه.”
نزل الشارع وهو مش عارف يبدأ منين. لفّ على ورش كتير، جرب يسأل في محلات، شاف أصحاب أعمال يقفلوا الباب في وشه قبل حتى ما يكمل كلامه. ومع كل رفض، كان الإحباط يشدّه لتحت… لكنه يفتكر أولاده ويمشي خطوة كمان.
وبعد ساعات طويلة من المشي، وقف عند “محمود” صاحبه القديم أيام المدرسة. ما شافهوش من سنين، لكنه قال لنفسه:
“يمكن ربنا حاطط الرزق عنده.”
سلّم عليه واتكلم معاه بصراحة: لا شغل ولا فلوس ولا أكل في البيت.
محمود سكت لحظة، وبص لحسن نظرة مختلفة… نظرة واحد شايف في صاحبه حاجة مش شايفها الناس.
قال له:
“إنت دايمًا كنت صاحب فكرة… فاكر زمان لما كنا نبيع عصير في الشارع ونكسب؟ ما تيجي نرجّع دماغك دي للشغل؟”
اتصدم حسن من الكلام.
“يا محمود… أنا حتى لو عندي فكرة، هجيب منين فلوس أبدأ؟”
ابتسم محمود وقال له بمنتهى البساطة:
“انت فكّر بس… التمويل عليا.”
الكلمة دي نزلت على حسن كأنها باب سما اتفتح.
رجع البيت وهو شايل أمل لأول مرة من شهور. قضى الليل كله يفكر في مشروع بسيط يناسب خبرته. فكر يفتح محل صغير للخبر والمخبوزات، لأنه اشتغل زمان عند واحد خباز وفاهم الشغل كويس.
تاني يوم راح لصاحبه بالمخطط كله: المكان اللي عايزه، الأدوات، التكلفة، وحتى طريقة البيع.
محمود سمعه للنهاية وقال:
“ابدأ… وأنا معاك.”
وبدأت الرحلة.
استأجروا محل صغير في شارع جانبي، جهّزوه بأبسط الإمكانيات، وكان حسن بيشتغل من أول النهار لآخره. يخبز، ويعجن، ويقف على الفرن، ويبيع بنفسه. تعبه كان بيبان في كل حركة من حركاته، لكن وراه هدف أكبر: أولاده ما يجوعوش تاني.
وبعد أسابيع، الرزق بدأ يتفتح.
الناس حبّت شغله لأنه نضيف وصادق في التعامل، وكل يوم كان يبيع أكتر من اللي قبله.
كبر المشروع، وبقى يشغّل اتنين معاه.
وبقى عنده زباين ثابتين.
وبقى ياخد وديعته البيت مش ضهرو مكسر، لكن صدره مرفوع.
وفي البيت، الوضع اتغيّر تمامًا.
الأولاد بقوا يشوفوا الأكل على السفرة من غير ما يسألوا “فيه ولا مفيش”.
ومراته كانت تبص له وهي مش مصدقة إن الرجل اللي كان فاقد أمله من شهرين بقى راجل مشروع ناجح.
مرت السنين…
كبر الأولاد، واحد بقى مهندس، التاني مدرس، والثالث فتح فرع جديد لنفس مشروع أبوهم.
وحسن بقى يحكي لهم كل فترة:
“لو مكنتش أنزل يومها أدور على شغل… ولو مكنش عندي صاحب بيآمن بيا… ما كنتوش هتبقوا كده.”
ومحمود؟
ما كانش مجرد صاحب…
كان بابًا للستر فتحه ربنا في اللحظة المناسبة.
وهكذا، خرج الأب اللي طُرد من شغله ورجع للبيت من غير فلوس…
ليصبح رجلًا بنى مشروعه من أول سطر، وربّى أولاده لحد ما وقفوا على رجليهم.
قصة بدأت بجوع…
وانتهت برزق واسع وبيت عمره ما خاف من بكرة تاني.