لم تنطق منذ ولادتها إلى أن جاء طفل فقير وغيّر مصيرها

في تلك اللحظة أحس هنري أن شيئا ينهار داخله
كم مرة جلس مع الأطباء
كم تقريرا قرأه عن صعوبة النطق والصدمة النفسية بعد فقدان الأم واحتمالات اضطراب عصبي وبرامج علاجية مكثفة
كم مرة دفع فيها مبالغ طائلة لمراكز خاصة وسافر بها إلى مدن أخرى بحثا عن معجزة
ومع ذلك
لم يفكر مرة أن يجلس أمامها فقط كأب ويتحدث معها حديثا بسيطا من القلب إلى القلب دون فحص دون تقييم دون خوف
قال هنري وهو يبتلع ريقه
هل سمعت صوتها
هز مالك رأسه إيجابا وملامحه لا تزال هادئة رغم التوتر
نعم قالت هاي
نظر هنري إلى ابنته
كانت تنظر إليه في صمت لكن عينيها تقولان كل شيء
اقترب ببطء حتى أصبح قريبا منها دون أن يلمسها
انخفض قليلا ليكون في مستوى عينيها
إيفا قال بصوت دافئ على غير عادته
حبيبتي تقدري تقوليها مرة ثانية
بدت عليها رجفة خفيفة
وكأن عقلها الصغير يحاول أن يوازن بين خوف قديم من الكلام وبين أمان جديد ولد فجأة بوجود هذا الفتى الغريب
التفتت أولا إلى مالك
كأنها تستأذنه أو تستمد منه الشجاعة
فابتسم لها ابتسامة

بسيطة وقال بهدوء
هو ينتظر
عادت تنظر إلى والدها شفتاها تتحركان ببطء ثم خرجت الكلمة
Dad
لم تكن الكلمة مثالية ولا نطقت بحرف ال د بثبات كامل لكنها كانت كافية لتحطم سبع سنوات من الصمت
شعر هنري برأسه يدور وكأن القصر كله يميل من حوله
لم يقترب منها جسديا لكنه انحنى أكثر ووجهه يقترب من مستوى وجهها ودموعه تتجمع دون أن يخفيها
قال بصوت مبحوح
سمعتك سمعتك يا إيفا
ضحكت الصغيرة ضحكة قصيرة مترددة كأنها تكتشف أن صوتها لا يسبب كارثة ولا يجلب صراخا ولا يفتح أبوابا للوم
كان مالك يقف على الدرجة الجانبية يراقب المشهد بصمت
في عينيه شيء يشبه الراحة وشيء آخر يشبه الحزن
في ذلك اليوم لم يطرد هنري الفتى
على العكس تماما

أدخله إلى الحديقة الخلفية وجلس أمامه على طاولة خشبية بسيطة بينما إيفا تجلس على مقعد قريب تراقب الاثنين بصمت جديد مختلف صمت من يستمع لا صمت من يعجز عن الكلام
قال هنري
مالك من أين أتيت
أجاب الفتى
من الحي الثالث
شهق هنري تقريبا دون صوت
الحي الثالث كان معروفا بالجرائم والفقر المدقع والإهمال الرسمي
حي لا يدخل إليه أحد من أمثاله إلا برفقة حراسة أو في نشرات الأخبار
ومن تعيش معه هناك
سأل هنري
أجاب مالك بعد تردد قصير
كنا نعيش أنا وأبي وأمي قبل أن تموت
توقف للحظة ثم أكمل
الآن أعيش وحدي تقريبا
لم يسأله هنري عن تفاصيل تفيض وجعا
لم يسأله كيف يأكل وأين ينام وكيف يدافع عن نفسه في منطقة لا ترحم الضعفاء
لكن السؤال الأكبر كان يحترق في رأسه
كيف جعلت إيفا تتكلم
قال مالك ببساطة
ما عملت شي يا سيدي جلست جنبها سألتها إذا بتحب الشطائر هزت رأسها فقلت لها لو بتحبي الشطيرة قولي لي كلمة واحدة بس وأنا أصدقك
ثم ابتسم بخفة
ما كنت متوقع أنها فعلا راح تحاول

كان يروي الأمر كأنه حكاية عادية بينما بالنسبة لهنري كان ما حدث انقلابا كاملا في حياته
مرت أيام قليلة
وتحول وجود مالك في القصر من حادثة غريبة إلى واقع يومي
لم يكن يعيش هناك بشكل رسمي لكنه كان يأتي كل يوم تقريبا من البوابة الخلفية غالبا في ساعات متفرقة
كانت مارغريت مديرة المنزل تنظر إليه في البداية بحذر ثم بدأت تتعامل معه على أنه جزء من نظام البيت دون أن تعترف بذلك صراحة
إيفا أصبحت تنتظره
كانت تجلس قرب النافذة المطلة على الحديقة الخلفية وتراقب الطريق الذي يأتي منه وكلما رأت جسما نحيلا يتحرك من بعيد يلمع في ضوء الشمس بخطوات مترددة كانت عيناها تتسعان وملامحها تلين
مع مرور الوقت أصبحت كلماتها أكثر
لم تتحول فجأة إلى طفلة ثرثارة لكنها بدأت تلتقط مفردات جديدة تختارها بعناية تقولها ببطء كمن يختبر عالما لم يعتده بعد
كلمة بابا
كلمة مالك
كلمة شمس
وحتى كلمة لا عندما لا تريد شيئا
كان هنري يراقب هذا التحول بعينين متعبتين لكن قلبه بدأ يستيقظ من صدمة قديمة كانت تجمده
في إحدى الأمسيات استدعى مالك إلى مكتب في الطابق العلوي مكتب أصغر من غرفة المراقبة لكن فيه نافذة واسعة تطل بشكل مباشر على الحديقة حيث تلعب إيفا تحت مراقبة الخدم
جلس هنري على كرسيه الجلدي وأشار للفتى أن يجلس على الكرسي المقابل
بدا مالك متوترا لكنه لم يرفض
قال هنري

هناك شيء لا أفهمه أنت لم تأت إلى هنا صدفة أليس كذلك
تصلب جسد مالك للحظة
سادت دقيقة من الصمت لا يسمع فيها سوى صوت عقارب الساعة
ثم قال بهدوء
في البداية نعم كنت أبحث عن أي مكان أجد فيه طعاما أو زاوية أرتاح فيها من ضوضاء الحي
سكت قليلا
لكن لما شفت إيفا عرفت أن الموضوع مو صدفة بالكامل
تقلصت عينا هنري
ماذا تقصد
أجاب مالك وعيناه تلمعان بذكرى بعيدة
لأن عندي أخت كانت مثلها
شرح مالك بصوت هادئ
أختي اسمها ليلى كانت أصغر مني بسنتين ما كانت تحكي كثير كانوا يقولون إنها عندها مشكلة وإنها تحتاج دكتور لكن ما كان في فلوس أحيانا كان أبي يتعصب لما تحاول تناديه فيصرخ عليها دون قصد ومع الوقت صارت تخاف من الكلام
تنهد
كنت أنا الوحيد اللي يجلس جنبها ويسمعها وهي تحاول تهمس ما كانت كلمات كاملة لكنها كانت تحاول الناس اعتبروها حالة وأنا اعتبرتها أختي اللي لازم حد يسمعها حتى لو ما فهم كل حرف
خفض صوته أكثر
ماتت وهي صغيرة ومن يومها لما أشوف طفل ساكت أحس إن السكوت مو مرض السكوت صرخة بس بلا صوت
شعر هنري بشيء يخنقه من الداخل
كأن كل كلمة يقولها مالك هي مرآة لما عاشته إيفا طوال السنوات الماضية

قال بصوت مبحوح
يعني أنت لم تتعلم هذا من كتب أو أطباء بل من حياتك
ابتسم مالك ابتسامة قصيرة لم تدم طويلا
من الفقر ومن الخسارة
مرت لحظات من الصمت قبل أن يمد مالك يده إلى جيبه ويخرج شيئا صغيرا ملفوفا في منديل مهترئ
في شي لازم يرجع لك قالها وهو يضع المنديل على المكتب
فتح هنري القماش بيدين بطيئتين يتحسس شيئا معدنيا صغيرا
فجأة اتسعت عيناه
كان العقد الفضي الصغير المستدير الذي يعرفه جيدا
نقش على طرفه اسم Eva
شعر هنري كأن الوقت يعود به سبع سنوات إلى الوراء إلى غرفة المستشفى إلى ابتسامة زوجته وهي تضع العقد في رقبة الرضيعة حديثة الولادة وتقول له
أريدها أن تحمل اسمها على صدرها دائما حتى لو لم أكن موجودة
هذا العقد نفسه

هو الذي اختفى ليلة الحادث المشؤوم الذي حطم كل شيء
قال الأطباء إنه ضاع أثناء نقل إيفا من موقع الحادث إلى المستشفى وربما سقط أو انقطع أو ضاع في الظلام
بحث عنه هنري في كل مكان لم يجده
ومع مرور الوقت تحول العقد إلى رمز يؤلمه بمجرد أن يتذكره فدفن ذكرى ضياعه في أعماق عقله
والآن
ها هو يعود إليه في يد طفل من الحي الثالث
رفع هنري رأسه بصوت مخنوق
من أين حصلت على هذا
أجاب مالك بصراحة وإن كان صوته يرتجف قليلا
وجدته في بيت رجل كان الناس يقولون إنه هو اللي عمل الحادث
تجمد هنري
الرجل الذي كان يقود السيارة التي اصطدمت بسيارتنا
أومأ مالك

نعم كان يسكن في الحي الثالث كان عنده سمعة سيئة وأبي كان يشتغل معه أحيانا
شعر هنري أن الأرض تميد به تحت قدميه
كيف
شرح مالك
أبي كان يقول إنه مجرد سائق مساعد يوصله ينتظره ياخذ منه نقودا قليلة مقابل خدمات بسيطة لكن في الفترة الأخيرة قبل ما يموت الرجل كان يتصرف بغرابة يخبي أشياء يحكي في الليل بكلام مو مفهوم
ابتلع ريقه قبل أن يكمل
بعد ما مات دخلت بعض الوجوه الغريبة البيت قلبوا المكان فتشوا كل شيء ما تركوا شيئا في مكانه وبعد ما خرجوا كان العقد

هذا لا يزال موجودا كأنه لزق بزاوية من المعطف القديم
نظر هنري إلى العقد مرة أخرى كأنه يراه للمرة الأولى
ولماذا أخذته أنت
قال مالك
أبي قبل ما يختفي كان يردد وهو مريض العقد رجعوا العقد مو لكم كنت أظن أنه يهذي بس لما شفته وعليه اسم إيفا عرفت إنه ما كان يحكي عن شيء عادي عرفت إنه لازم يرجع لصاحبه حتى لو ما عرفوا أنا مين
ثم أضاف بهدوء
فلما شفت بنتك أول مرة عند الدرج الخلفي وعرفت من الخدم إنها ما بتحكي عرفت إنها إيفا نفسها عرفت إن الموضوع أكبر من مجرد شطيرة
لم يكن أمام هنري سوى أن يصدق
لم يكن أمامه سوى أن يعترف أن هذا الفتى لا يحمل فقط مفتاح صوت ابنته بل يحمل أيضا خيطا يقوده إلى حقيقة ما حدث في ليلة الحادث
في الأيام التالية بدأت قطع أخرى من اللغز تظهر
تحدث مالك عن أبيه وكيف كان في أواخر أيامه يهمس بأسماء لا يعرفها وعن رجال كانوا يأتون إلى الحي في سيارات سوداء يتحدثون عن ملف ومعلومات وامرأة تعرف أكثر مما يجب
تذكر هنري أن زوجته قبل وفاتها كانت تعمل في شركة كبيرة وتحدثت معه أكثر من مرة عن أشياء لا تعجبها هناك

قالت له ذات مساء
هناك أمور لا يمكن أن يراها الناس وتظل الحياة عادية بعدها أحيانا أشعر أني أحمل شيئا ثقيلا أكثر من قدرتي
لم يأخذ كلامها يومها على محمل الجد
ظن أن الأمر ضغوط عمل لا أكثر
لكن الآن
مع العقد
ومع عودة اسم الشركة القديمة على لسان مالك
بدأ يفهم أن الحادث لم يكن محض صدفة كما قيل له
في ليلة من الليالي بينما كان القصر يستعد للنوم والأنوار تخف تدريجيا سمع طرق عنيف على بوابة المدخل
التقطت الكاميرات سيارة سوداء فاخرة ذات زجاج داكن تقف أمام البوابة الرئيسية ورجلين ينزلان منها ببذلات رسمية منسقة
تجمهر الأمن الخاص بالقصر عند الداخل
خرج هنري بنفسه وهو يحمل في عقله كل ما رواه مالك مؤخرا
وقف أحد الرجلين عند البوابة وصوته ثابت
السيد هنري ويتاكر
نعم أجاب هنري
قال الرجل
نحن نمثل جهة لديها بعض الأعمال غير المنتهية مع المرحومة زوجتك
تصلبت ملامح هنري
زوجتي ماتت منذ سبع سنوات لا توجد أعمال غير منتهية معها
ابتسم الرجل ابتسامة باردة لا تصل إلى عينيه
بل توجد نحتاج فقط إلى استرجاع شيء يخصنا
وأي شيء هذا
قال الرجل بصوت خال من الانفعال

انت في الصفحة 2 من 3 صفحات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
8