امه مريضه ولا يملك تمن الدواء

كانت أم سامح تعاني من مرض امتد لشهور، يزداد عليها يومًا بعد يوم، بينما الفقر يضغط عليهم من كل جهة. كان البيت بسيطًا بالكاد يكفيهم، والأدوية أغلى من قدرتهم. في كل ليلة كانت تبذل جهدها لتبدو بخير حتى لا تُقلق ابنها، لكن سامح كان يرى الألم في عينيها مهما حاولت إخفاءه.
في إحدى الليالي جلس بجوارها، ويده تشد على يدها، وأقسم لنفسه أنه هيلاقي علاجها مهما كانت الظروف.

خرج في صباح اليوم التالي مبكرًا، ولف على كل مكان ممكن يلاقي فيه فرصة عمل: الورش، المزارع، المخازن، المحلات. لكن ولا شغل كان ثابت ولا مرتب يكفي علاج أمه. مرّ اليوم طويلًا مرهقًا، حتى جلس منهكًا أمام بوابة قصر كبير، يلتقط أنفاسه. لمحه رجل يبدو في الخمسين، يقف داخل الحديقة ويراقبه لثوانٍ قبل أن يقترب ويسأله عن حاله.

حكى سامح باختصار عن بحثه عن عمل وعن مرض أمه. سأل الرجل:
“بتعرف تسوق؟”
فأجاب بثقة إنه اتعلم على عربية جارهم القديمة. أخذه الرجل إلى سيارة حديثة وقال له إنه محتاج سائق، وإنه هيجربه في مشوار قصير. قاد سامح السيارة بثبات وإتقان فاجأ الرجل، ليقول له بعدها:
“تعال من بكرة، وابدأ معانا.”

كان الرجل هو الحاج فؤاد، تاجر مشهور في البلد. دخل سامح العمل بحماس، وبدأ يثبت قيمته من أول أيامه.
في إحدى المرات نسي الحاج فؤاد داخل السيارة حقيبة فيها مبلغ كبير وأوراق مهمة. أخذها سامح ووقف أمام باب المكتب ساعات لأنه رفض يدخل أثناء اجتماع. وما إن خرج الحاج حتى أعطاه الحقيبة كما هي دون ما يفتحها. الحاج فؤاد لمح الصدق في عينه، وفهم إن الشاب ده مختلف.

وفي مرة كان سامح بيركن العربية أمام شركة الحاج، ولاحظ رجل غريب بيحاول يفتح الباب من الناحية التانية. اندفع بسرعة، ومسكه قبل ما يهرب، وسلّمه للأمن. اتضح إن الحقيبة اللي في العربية كانت هدفه من البداية.
لما عرف الحاج ما حصل، كان سامح شايف إنه مجرد واجبه. لكن موقفه رسخ في قلب الرجل إنه مش مجرد موظف… ده راجل أمين يعتمد عليه.

وبعدها بأيام كانت بنت الحاج، مريم، رايحة الجامعة ونست محفظتها، وكانت محتاجة تدفع رسوم تقديم أوراق ضرورية. سامح دفع من فلوسه البسيطة من غير ما يفكر، ولما حاولت ترد المبلغ، قال لها بمنتهى الهدوء:
“ده يومين شغل… بس فرحتك أهم من الفلوس.”

ومع الشهور، زادت المواقف، وزادت ثقة الحاج فؤاد في سامح. لدرجة إن يوم ما مرضت والدة سامح بشدة واضطر يسيب الشغل فجأة ويرجع البيت، توقع إنه هيتعاقب. لكنه فوجئ بالحاج فؤاد بنفسه عند باب البيت، يدخل ويجلس بجوار أمه ويسأل عن حالها. ولما عرف إن العلاج مكلف، قال لسامح:
“أمك هتتعالج… واعتبر ده واجب عليّا.”

من اليوم ده بدأت علاقة أبوّة حقيقية تتكون بينهما. أما مريم فكانت تلاحظ كل ده في صمت، وتشوف في سامح شخص ما يطمعش، ولا يتكبر، ولا يرفع عينه على حد. قلبه نضيف وراجل بمعنى الكلمة.

مع الوقت اتضح للحاج فؤاد إن سامح مش مجرد شاب أمين… ده إنسان يستحق يكون من بيته.
وفي ليلة هادية نادى عليه وقال له:
“يا سامح… أنا عايزك تكون من أهل البيت بجد. تتجوز مريم؟”

انحنت رأس سامح والدموع نزلت رغمًا عنه. وافق وهو مش مصدق إن الدنيا ممكن تتقلب بالسرعة دي. اتجوز مريم، وتعالجت أمه على أعلى مستوى، واتفتح باب جديد من السـ . ــكينة لبيت كان مليان تعب وألم.

سامح ما نسيش أبدًا إنه بدأ من تحت الصفر، وإن كل ده جه لأنه كان صادق، وأمين، وما تخلاش عن أمه يوم.

وبكده، الفقير اللي ما كانش يملك ثمن دواء… بقى زوج بنت أغنى رجال البلدة، مش بالصدفة، لكن لأنه كان رجل يستحق الخير

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
0